ومن ذلك ما جاء من أن أحمد بن خضرويه قال لامرأته: أريد أن أتخذ دعوة أدعو فيها عيارا شاطرا كان بلدهم رأس الفتيان. والعيارون الشطار هم فئة ينطبق عليهم ما ذكرنا من اعتزازهم بالقوة، واستخدامها في التهديد والسلب والنهب.
ثم كان هناك نوع رابع تستعمل فيه الكلمة، هو نوع من الفروسية المنظمة، فقد اشتهرت ألعاب الفروسية في العصر العباسي ونظمت، وكثر اللعب بالبندق والخروج به لرمي الصيد. فقد ذكر الأغاني في سبب موت الشاعر أبي العبر أنه خرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها، فسمعه بعضهم يقول قولا سيئا في علي فقتله. كما عنوا بلعب الكرة والصولجان وبالصيد والقنص، وقال الفخري: إن المعتصم كان ألهج الناس بالصيد، وبنى في أرض دجيل حائطا طوله فراسخ كثيرة. وكان إذا ضرب حلقة يضايقونها، ولا يزالون يحدون الصيد حتى يدخلوه وراء ذلك الحائط، فيصير بين الحائط وبين دجلة، فلا يكون للصيد مجال، فإذا انحدر في ذلك الموضع دخل هو وأقاربه وخواص حاشيته وتأنقوا في القتل، وتفرجوا، فقتلوا ما قتلوا، وأطلقوا الباقي. وكانوا يعدون هذه الأنواع من صيد ورمي ونحوهما من قبيل الفتوة.
بل ربما كانت تنعقد أواصر الفتوة بين جماعة لمناسبة من المناسبات كغربة أو نحو ذلك، فتشتد بينهم الصداقة، ويتعاونون على السراء والضراء، وإن لم تجمعهم جامعة من قبل، كالذي حكي أن رجلين من بني أسد خرجا إلى أصبهان فآخيا دهقانا بها، وتعاقدوا جميعا على أن يكونوا فتية صدق يضمن أحدهم للآخرين ما يحتاجون إليه، فمات أحد بني أسد في موضع يقال له راوند، فظل هو والدهقان ينادمان قبره؛ يشربان كأسين ويصبان على قبره كأسا ثم مات الدهقان، فكان الأسدي ينادم قبريهما، فيشرب قدحا ويصب على قبريهما قدحين، ويتغنى بهذه الأبيات:
خليلي هبا طالما قد رقدتما
أجدكما لا تقضيان كراكما؟
ألم تعلما ما لي براوند كلها
ولا بخزاق من حبيب سواكما
أصب على قبريكما من مدامتي
فإلا تنالاها ترو ثراكما
أقيم على قبريكما لست بارحا
طوال الليالي أو يجيب صداكما
وأبكيكما حتى الممات وما الذي
يرد على ذي عولة إن بكاكما
جرى النوم بين اللحم والجلد منكما
كأنكما ساقي عقار سقاكما
فالفتوة هنا فتوة مصطنعة، نشأت عن غاية اشترك فيها الإخوان، فهؤلاء فتيان من بني أسد، ورجل فارسي دهقان ألفت بين قلوبهم الغاية فتعاقدوا على أن يفي كل منهم لأخويه، وأخيرا مات اثنان فوفى الثالث وبكاهما بكاء مرا. وربما كان المثل الأعلى لهذا النوع الأخوة في الإسلام، فقد آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، وكان هذا الإخاء له غاية، وهي أن يؤوي الأنصار المهاجرين؛ لأن المهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم واحتاجوا إلى المعونة بالأنصار، وقد لاحظ رسول الله في هذه الأخوة تقارب عقلية المتآخيين وأمزجتهما ونفسيتهما، فهذه أخوة لغاية شريفة، يتعاقد فيها أخوان على وفاء. وشدد رسول الله في الرباط بينهما حتى كاد أن يورث بعضهما من بعض كأنهما أخوان حقيقيان، فهذا نوع من الأخوة أرقى من إخوة بني أسد والدهقاني، وأعز منها غاية.
وليست الأخوة بهذا المعنى إلا نوعا من أنواع الفتوة كما سنرى بعد. •••
على كل حال في العصر العباسي وبعده تمت الفتوة بمعانيها المختلفة وأهمها نوعان: (1)
فتوة يصح أن نسميها فتوة مدنية أو دنيوية. (2)
وفتوة دينية أو صوفية. ويظهر أن النوعين كانا متميزين في نظمهما وتقاليدهما، وهذا ما سنحاول أن نوضحه.
فالفتوة المدنية على ما يظهر وليدة الفروسية والشجاعة. ومن قديم عرف العرب بهما، وقالوا في ذلك الأشعار الكثيرة من أمثال معلقة عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، وخلفوا لنا أدبا وافرا في كل ما ينطبق على الفروسية والشجاعة. وعني المؤلفون بعد في جمعها وتصنيفها ككتاب حلية الفرسان وشعار الشجعان لابن هذيل الأندلسي، وقد ذكر فيه الخيل والمسابقة بها والسيوف والرماح والقسي والنبل والدروع والترس، وما إلى ذلك، وما قيل فيها من أشعار.