فهو يستعمل الفتوة في الكرم في سماحة من غير تكلف، ومن هذا القبيل ما قاله أبو البلهاء في يزيد بن مزيد الشيباني يرثيه:
نعم الفتى فجعت به إخوانه
يوم البقيع حوادث الأيام
سهل الفناء إذا حللت بابه
طلق اليدين مؤدب الخدام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه
لم تدر أيهما ذوي الأرحام (2)
نرى الصوفية استحسنت كلمة الفتوة وما تدل عليه من معاني النبل والسماحة وأدخلتها في معجم كلماتها وغذتها من فضائلها. وأول ما نجد ذلك في الرسالة القشيرية، فقد عقد القشيري بابا سماه باب الفتوة بجانب باب الحياء والصدق، وقال في تعريفها: «أصل الفتوة أن يكون العبد ساعيا أبدا في أمر غيره.» ونقل عن الفضيل أنه قال: «الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان.»
وقال بعضهم: «الفتوة ألا ترى لنفسك فضلا على غيرك.» وجروا على عادتهم في الأدب الرمزي، فقالوا: «إن إبراهيم سمي في القرآن فتى لأنه كسر الصنم وصنم كل إنسان نفسه.» فالفتى في الحقيقة من خالف هواه ونفسه، وهكذا أحيا الصوفية كلمة فتوة. ونقلوا عن كبارهم كلمات فيها، فالحارث المحاسبي يقول: «الفتوة أن تنصف ولا تنصف.» وغيره يقول: «الفتوة إظهار النعمة وإسرار المنة.» وسئل أحمد بن حنبل: «ما الفتوة؟» قال: «ترك ما ترجو لما تخشى.» ولهم في ذلك الحكايات الظريفة في الفتوة كعادتهم؛ من ذلك أن صوفيا تزوج امرأة ثم ظهر عليها الجدري قبل الدخول بها، فتعامى الصوفي حتى لا يجرح شعورها، فلما ماتت فتح عينيه فقيل له في ذلك فقال: «لم أعم ولكن تعاميت حذرا من أن تحزن.« فقيل له: «سبقت الفتيان!»
ومن ذلك ما حكوه أن إنسانا يدعى الفتوة خرج من نيسابور إلى بلدة بخرسان، فدنا منه رجل ومعه جماعة من الفتيان، فلما فرغوا من أكل الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم فأبى الفتى النيسابوري: «ليس من الفتوة أن تصب النساء الماء على أيدي الرجال.»
وحكوا أن جماعة من الفتيان زاروا فتى فدعا غلامه ليقدم الأكل لهم، فأبطأ الغلام فسأله الرجل: «لم أبطأت؟!» فقال الغلام: «كان عليها نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل، ولم يكن من الفتوة طرد النمل عن السفرة، فلبثت حتى دب النمل.» فقال له صاحب البيت: «قد دققت يا غلام في الفتوة.» وتجادل الصوفية بعد ذلك جدالا ظريفا في تفسير كلمة الشيخ، هل عاب الغلام أو مدحه. وهل هذا العمل من الفتوة أو لا. وهل الخوف من إيذاء النمل بالطرد يجب أن يراعى، أو لا يراعى الخوف عند إيذاء الضيوف بالانتظار وهكذا.
وعقد الشيخ محي الدين بن العربي فصلا طويلا في الفتوة، في كتابه «الفتوحات المكية» عنوانه معرفة مقام الفتوة وأسراره، قدمه كعادته بأبيات من الشعر فيها:
إن الفتوة ما ينفك صاحبها
مقدما عند رب الناس والناس
إن الفتى من له الإيثار تحلية
فحيث كان فمحمول على الراس
ما إن تزلزله الأهواء بقوتها
لكونه ثابتا كالراس في الراس
لا حزن يحكمه، لا خوف يشغله
عن المكارم حال الحرب والباس
انظر إلى كسره الأصنام منفردا
بلا معين، فذاك اللين القاسي
وقد بناه على قصة إبراهيم وأنه جاد بنفسه للنار، إيثارا للحق، وعلى الجملة فقد أدخلها الصوفية في مذهبهم، وصبغوها بصبغتهم، وجعلوها مقاما من مقاماتهم، وملئت بها كتبهم، ونقلوها من المعنى الدنيوي إلى المعنى الديني كالزهد والإيثار وضبط النفس، وحملها على الحق مهما استتبع ذلك من المكاره. (3)
وجدنا الناس يستعملون الكلمة في نوع من الناس هم الشبان الأشداء الذين يتباهون بقوتهم. ثم يهددون الناس في أموالهم وفي أنفسهم، ومن هذا القبيل ما جاء في الرسالة القشيرية، ومن أن شقيق بن إبراهيم البلخي كان يتغنى ويعاشر الفتيان، وكان علي بن عيسى بن ماهان، أمير بلخ، وكان يحب كلاب الصيد، ففقد كلبا من كلابه. فسعى برجل أنه عنده فطلب الرجل فهرب. فدخل دار شقيق مستجيرا، فمضى شقيق إلى الأمير، وقال: خل سبيله، فإن الكلب عندي أرده إليكم إلى ثلاث أيام. فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أصدقائه غائبا من بلخ رجع إليها، فوجد في الطريق كلبا عليه كلاب، فقال: أهديه إلى شقيق فإنه يشتغل بالتفتي، فنظر شقيق إليه فإذا هو كلب الأمير، فسر به وحمله إليه وتخلص من الضمان، فرزق الله الرجل الانتباه، وتاب مما كان فيه، وسلك طريق الزهد.