ولما عزم على أن يهاجر قال له النبي r : على رسلك يا أبا بكر لعل الله يجعل لك (صاحبا) . حتى اذا جاءه ليخبره أن الله قد أذن له في الهجرة قال: (الصحبة) يا رسول الله ! قال r : (الصحبة). تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :
ما شعرت قبل ذلك أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي حين أذن له رسول الله r في (صحبته).
ألا ما أعظم منزلة هذه (الصحبة) منزلة تبكي لها الرجال دموعا ! إنها شرف لم يؤثر به رسول الله r أحداً سوى (صاحبه) الذي اختار (صحبته).
إنها صحبة المصير الواحد في أخطر رحلة وأحرج موقف يخلده الله تعالى قرآناً يتلى: } إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا {.
صحبة لازمة لاستنادها إلى سبب دائم لا يزول كصحبة
رسول الله r لأبي بكر الصديق t. ولو كانت كصحبة الرجلين في سورة الكهف كما يقول المتهوكون* ، لانقطت وما دامت الى الأبد.
ثم كيف يساء الظن برسول الله r ! أيتخذ النبي له صاحباً ثم لا يكون هو خير الاصحاب! ألا يحسن r الاختيار؟ أم اختاره لأسباب دنيوية عارضة ؟ فكيف دامت صحبتهما طيلة هذه المدة وهو لا ينصحه ولا يردعه ! أرأيت رجلاً مصاحباً لرجل صحبة دامت سنين طويلة ثم تبين لك أن مصالح دنيوية جمعت بينهما، وأن الرجل الثاني كان سيئاً في ذاته وأخلاقه ونواياه دون أن يكون ذلك السوء سبباً دافعاً لصاحبه أن يردعه أو ينصحه-على الأقل- أو يتركه. ألا تشك في صلاح الأول ؟
أهكذا الظن بصفوة الرسل وخيرة الخلق وهو القائل : (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) (1) ! وليس المقصود بالنهي الصحبة العارضة.
لقد كانت صحبة النبي r لـ"صاحبه " صحبة الدين والغايات العظيمة السامية. ولذلك قال r :
( لو كنت متخذاً خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلاً ).
وكذلك هي صحبة المشابهة والمشاكلة النفسية والاخلاقية والفكرية -ولابد- يقول النبي r :
( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) .