ولذلك اختاره رفيقاً له في الهجرة و"صاحبا" يؤنس وحدته ويبدد وحشته، ولولا هذه المشابهة والمشاكلة ، والراحة والميول النفسية المتبادلة لما اختار صحبته في تلك الرحلة الخطرة الموحشة .
إن المسافر سفراً عادياً يستغرق ساعة أو ساعتين لا يطيق أن يصحب في سفره القصير هذا إلا من ترتاح اليه نفسه ويطمئن فؤاده ، فكيف برحلة شاقة عصيبة طالت أياماً ثلاثة منها في غار موحش في جبل منقطع عن العمران! إنها صحبة رجل الملمات والمهمات الصعبة ، كما هي صحبة الإنسان للإنسان الذي ترتاح اليه النفس وتأوي اليه آمنة مطمئنة. وإلا فإن الأمر كما قال الشاعر:
وقائل كيف تفارقتما ** فقلت قولاً فيه انصاف
لم يك من شكلي ففارقته ** والناس أشكال وآلاف
ولو لم يكن أبو بكر t من شكل النبي r لما كانت صحبتهما صحبة العمر كله ، بل صحبة استفرغت الحياة.. ثم اتصلت بعد الممات!
يقول النبي r : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل (1) .
ويقول الشاعر العربي القديم:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ** فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقد برزت آثار صحبة الصديق t للنبي r واضحة المعالم في علمه وإيمانه وفي سلوكه واخلاقه . وكانت معالم هذه الآثار من البروز والوضوح ما يشكل دليلاً قاطعاً على صدق هذه الصحبة وقوة عراها وسمو مقاصدها وعلو منزلتها.
هذه مقدمة قصيرة عن فضل الصحابة ، وعلى راسهم خير البشر بعد الانبياء ابو بكر ، مقتصراً بالحديث على منقبتة التي اختصه الله سبحانه بها دون غيره وهي صحبة الرسول الاعظم r في هجرته(1).
والذي دفعني الى ذلك هو انه بالرغم من اتفاق جميع اهل العلم على صحبة ابي بكر للنبي r في الهجرة نجد بعض الاصوات النشاز قد ظهرت مؤخراً على الساحة الشيعية وهي تنكر صحبة ابي بكر للنبي r في الهجرة ، كما فعل (نجاح الطائي ) في كتابه ( صاحب الغار ابو بكر ام رجل آخر ؟ ) .