تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومتى جاء دوره وجلس على السرير الملك سعى طواشية السودان ومماليك البيضان في وضعه تحت نفوذهم، وحرصوا على ألا يفلت من أيديهم، وفتشوا على أضعف نقطة في قلبه وأخلاقه، فلا يمضي عليهم كثير حتى يكتشفوها، فيستميلون قلبه إليهم من تلك النقطة، ويستفيدون منها لإنفاذ كلمتهم وجر المنافع إليهم وإلى أصحابهم ومن كان من حزبهم وشيعتهم، فيتألف من خدمة القصر الملوكي حزب قوي يسمى كامريلا

Camarilla ، وهي كلمة إسبانية معناها جماعة المتنفذين في قصر الملك، فيتداخلون في المسائل ويعارضون في السياسة ويستولون على الأمور، وإذا رأوا السلطان مال إلى صدر أعظم أو وزير، انقضوا عليه وسلقوه بألسنتهم وافتروا عليه بإفكهم، ونسبوه للعجز والتقصير، وسعوا في تنزيل قدره وترذيله؛ لأجل وضعه تحت سيطرتهم؛ ولذا كان في الغالب للقهوة جي باشي والأثوابجي باشي والإبريقدار والسجادة جي باشي والبستانجي باشي، حتى البلطة جي باشي - وهو الحطاب؛ نفوذ كلمة ومكانة أكثر من الصدر والوزراء وبقية رجال الدولة، ولا سيما في المسائل المالية وجر المنافع وتوظيف المنتسبين إليهم، ولم تزل رتبة آغا دار السعادة معادلة لرتبة الصدر الأعظم والخديو المعظم، ولهم بالفرنسية لقب سون ألتس

Son Altesse

كأمراء الإفرنج وأبناء ملوكها العظام، ولم يزل أكثرنا متذكرا نفوذ بهرام آغا وأمثاله.

شروع الدولة العلية بالإصلاح

لو استمرت أوروبا نائمة في ظلام القرون الوسطى لبقيت الدولة العلية سائرة في هذه الطريق العوجاء سير مملكة الصين، أو سلطنة المغرب الأقصى التي انحطت إلى درجة البداوة، بعد أن كان لها في العمران قدم راسخة، بسبب مهاجرة الأندلسيين إليها ومتاجرتهم في إفريقية الغربية، ولكن أوروبا استيقظت من غفلتها في القرون الجديدة، وأوجدت هذه المدينة العجيبة التي بهرت العالم، وغيرت وجه الأرض باكتشافاتها واختراعاتها وعلومها وفنونها وآدابها، وتجاوزت دول أوستريا «النمسا» وروسيا والبندقية إلى ممتلكات الدولة العلية، فأحست بالضعف والانحطاط والتقهقر، وبدأت في الإصلاحات الجديدة من عهد السلطان مصطفى خان الثالث: فأحدثت الطوبخانة، وأنشأت معملا لصنع المدافع، وأقبل السلطان سليم الثالث بهمة عالية وإقدام على القيام بالإصلاح، ورتب إدارة الطوبجية والبحرية، وجلب المعلمين والمهندسين من أوروبا، وأحدث النظام الجديد، فاغتالته أيدي المنون بسبب هيجان الانكشارية الذين فسدت أخلاقهم، وأصبحوا بلاء مبرما على الأمة والدولة، بعد أن كان لهم في الفتوحات العثمانية شأن عظيم، ومفاخر كثيرة مسطورة في تاريخ أوروبا العسكري.

السلطان محمود الثاني

ثم جلس السلطان محمود الثاني وأزال غائلة الانكشارية، ونظم العساكر الجديدة، وأجرى من الإصلاحات ما هو مفصل في التاريخ العثماني، وأصاب الدولة العلية من الحوادث المهمة ما حملها على الاحتكاك بالدول الأوروبية والدخول في ميدان سياستها مثل حروبها مع روسيا، واحتلال نابليون بونابرت لمصر وسوريا، وخروج محمد علي باشا، وحرب المورة، واستقلال اليونان، وحوادث جبل لبنان، وتدخلت أوروبا في شئون الدولة العلية باسم المحاماة عن المسيحيين: فروسيا تحامي عن الأمم السلافية وجميع المتدينين بالمذهب الأرثوذكسي، وفرنسا عن الكاثوليك، وإنجلترا عن مبشري البروتستانت، وكن جميعهن يحرضن المسيحيين من رعية الدولة مقاومة الاستبداد، ويطالبن الباب العالي بإجراء الإصلاحات، ووضع القوانين والنظامات لمنع التعدي على النصارى، ولمساواتهم في الحقوق مع المسلمين، والباب العالي يجد الاستفادة من العداوة القديمة التي غرستها الحروب الصليبية بين المسلمين والنصارى؛ أهون عليه من سوق العساكر وتكبد المصروفات الحربية لتسكين الفتن وإخماد الثورات؛ وهكذا جرت المذابح، وارتكبت الفظائع التي تقشعر الجلود من سماع وصفها، وعادت على الوطن بالويل والخراب: كمذابح الروم في حرب المورة، ومذابح لبنان في حادثة الشام، وكمذابح البلغار في حرب روسيا الأخيرة، وهي التي قام لها جلادستون وقعد، وأرغى وأزبد، على منبر الخطابة في مجلس العموم الإنجليزي، وآخرها الفظائع الأرمنية المعروفة، وهي نقطة سوداء في صحيفة التاريخ.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٦