تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قصر السلطنة العثمانية وتربية ولي العهد والكامريلا

كان قصر السلطنة في الممالك العثمانية مرتبا على الأصول والتقاليد الموروثة عن المغول، فقد كانت الدولة عبارة عن خيمة كبيرة حكومتها بابها العالي، وأول وظيفة على هذه الحكومة إنزال الخان المعظم على الرحب والسعة، وإسكان من معه من الحريم والأسرة والأقارب والحاشية، واستكمال أسباب راحتهم وسعادتهم، واستحضار النفقات اللازمة لهم ولرؤساء «العرضى»؛ فالعمود الأوسط القائمة عليه هذه الخيمة هو «الصدر الأعظم» القائم مقام الخان المعظم؛ أي السلطان والحامل لختمه الذاتي والوكيل المطلق عنه في جميع مسائل الدولة الداخلية والخارجية، وبجانبه «قاضي عسكر» لفصل الدعاوى وتقسيم مواريث الجند والمحافظة على حقوق السلطنة، وشيخ الإسلام إنما هو «قاضي عسكر» وظيفته أحدث عهدا؛ فقضاء العسكر قديم في الدولة ومتقدم فيها على قضاء المدن، مما يدل على حياتها العسكرية المنتقلة، ثم «الدفتردار» الذي يقيد الأموال ويحرر الحساب وهو اليوم ناظر المالية، ثم «النيشانجي» الذي يكتب الإرادات والفرمانات وغيرها.

فهؤلاء أعمدة ثانوية حوالي العمود الأعظم الذي في وسط الخيمة، وأما حبال الخيمة فهي الأغوات.

ويقسم الأغوات - بحسب خدمتهم في الداخل أو في الخارج - إلى قسمين: فالقسم الأول هم خدمة الداخل المسمى «أندرون» من مماليك البيضان وطواشية السودان المحافظين على الحريم، وكبيرهم آغا دار السعادة، ويسمى أيضا آغا البنات «قيزلر آغاسي»، ثم آغا البستانيين «بستانجي باشي» المكلفين بزرع البساتين والجنان، وآغا الرسل الموصلين للأخبار، وآغا المحافظين على الأثواب والألبسة «أثوابجي باشي» و«القهوة جي باشي» و «الأبريقدار» و«السجادة جي باشي» ... إلخ.

والقسم الثاني: هم خدمة الخارج وأغوات «العرضى» مثل آغا الانكشارية «يكيجري آغاسي» وآغا الصباهية «سباهي» وآغا الطوبجية وهو «الطوبجي باشي» ... إلخ، فهؤلاء الأغوات من خدمة الداخل وخدمة الخارج كلهم في درجة واحدة بمثابة حبال الخيمة، ولا فرق بينهم في التشريفات الرسمية والمعاشات والتعيينات، ولا في الاعتبار والمكانة عند الدولة، فالجاهل والعالم، والعبد المملوك والحر، ووضيع النسب وشريفه، ومجهول الأصل ومعروفه، والأبتر الخصي وكامل الأعضاء؛ كلهم متساوون، لا تمييز بين «القهوة جي باشي» الذي لا تحتاج صناعته إلا لمعرفة طبخ القهوة وتقديمها، وبين «الطوبجي باشي» المتوقفة صناعته على معرفة الفنون العسكرية والمعارف الكثيرة، وهذا الذي حمل الشاعر المفلق الأمير شكيب على أن يقول أبياته المشهورة، ومنها:

وألفيت فيها أمة عربية

يرى الترك منهم أمة الزنج أكرما

ولذا امتزجت الحياة البيتية بالحياة الدولية، والمسائل النسائية بالمسائل السياسية، وأشغال السراي السلطانية بأشغال الباب العالي، وبين السراي والباب العالي وسط يقال له المابين؛ لأنه بين «الإندرون»؛ أي الداخل، وبين «البيرون»؛ أي الخارج. ويشتمل المابين على الكتاب والقرناء والمصاحبين؛ وهم «المابينية»، ويعدون كلهم من أهل السراي وخدمتها.

فامتلأت السراي السلطانية بالأسرى من السراري الجركسيات والمماليك والطواشية، مع أن الشرع الإسلامي لا يبيح هذه العادة المستكرهة، قال شارح الدر: «وفي قطع الذكر من الأصل عمدا قصاص.» ويندر فيهم وفي جميع خدمة الداخل من يتعلم القراءة فضلا عن الكتابة؛ لأن فضيلة الواحد منهم أن يكون على الفطرة الأصلية فارغا من العلوم والمعارف، لئلا يسول له الشيطان أمرا أو دسيسة سياسية توجب انقلاب الملك؛ ولذا اختاروا الخدمة من قرى الأناضول البعيدة ومن ذوي السذاجة والغرارة، فإذا ولد لأحد السلاطين العظام مولود تربى في حجر والدته الجركسية على دلال السراري والأغوات إلى تمام السنة الثانية عشرة من عمره، ثم تبدل تلك السراري بالحظايا؛ فيتخذ منهن حرما ينزوي بهن في أحد القصور، وتبقى الأغوات والمماليك على ما كانت عليه أيام صباه، وربما جاءه بحافظ يحفظه القرآن، ومعلم يعلمه مبادئ العلوم، ولكن أكبر معلم للإنسان هو البيئة التي يكون فيها، وكيف يتعلم المرء من دون أن يخرج من بيته ويحتك بالعلماء ورجال الدولة؟! فيبقى ولي العهد على الحال ينتظر دوره في الملك، وهو محبوس في قصره، وعليه العيون والجواسيس لا يمكنون أحدا من الدنو إليه ولا المرور بجانب قصره، فضلا عن محادثته في المسائل العلمية والسياسية.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٥