صدراة مصطفى رشدي باشا
إن الحوادث التي جرت قبل معاهدة باريس ساقت بعض رجال الدولة إلى تعلم اللغات الأوربية، ولا سيما الفرنسية؛ للوقوف على سياسة أوروبا ولتنظيم العساكر البرية والبحرية. وكان لأكثر المتعلمين نسبة وتردد على مصر، التي شرعت بالإصلاحات على عهد محمد علي باشا؛ فنبغ من رجال الدولة مصطفى رشيد باشا السياسي الشهير، ابن مصطفى أفندي متولي وقف السلطان بايزيد، وكان مولده في الأستانة (1241ه).
قرأ القرآن ومبادئ العلوم الإسلامية، وأجاد الخط وتعلم شيئا من مبادئ اللغة الفرنسية، ثم لازم نسيبه الصدر الأسبق اسبارطة علي باشا، وذهب إلى مصر مرارا، وخالط رجالها، وتقلب في مناصب الدولة العلية، وفي سفارة باريس ولوندره، فأكمل تحصيل اللغة الفرنسية، واطلع على دقائق السياسة وخوافيها، وكانت المسألة الشرقية شاغلة وزارات أوروبا؛ بسبب اجتهاد روسيا في جميع كلمة الأمم السلافية، وطمعها في الاستيلاء على القسطنطينية، وروسيا أكبر الدول الأوروبية وأكثرها نفوذا وأشدها خطرا على الموازنة السياسية، فكانت الدول الأوروبية - وفي مقدمتهن إنجلترا التي هي أحرص الدول على مقاومة السياسة الروسية - تشوق الدولة العلية إلى القيام بالإصلاحات الجديدة لتستعيد قوتها السابقة فتحمي نفسها، وتكون لبقية الدول سدا منيعا أمام هجوم روسيا.
السلطان عبد المجيد
لما جلس السلطان عبد المجيد خان (تموز/يوليو سنة 1839) كان مصطفى رشيد باشا سفيرا في لوندره، فعين ناظرا للخارجية وحضر إلى الأستانة، وكان له رأي ودخل كبير التنظيمات، وفي تشرين الثاني/نوفمبر من السنة المذكورة قرأ بحضور رجال الدولة وأعيانها وسفراء الدول الأجنبية الخط الشريف السلطاني المعروف بالتنظيمات، وكانت قراءته في كلخانة - أي دار الورد - وهي من دوائر السراي القديمة - طوب قبو - التي بجانب جامع أياصوفيا؛ ولذا اشتهر بخط شريف كلخانة، وقد اشتمل على تأمين الرعية على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، وعلى قاعدة مطردة في استيفاء الأموال الأميرية، وعلى أخذ العسكر بالقرعة وتعيين مدة الخدمة، وإلغاء الامتيازات، وطرح التكاليف بنسبة ما لكل واحد من الثروة، ومساواة الرعية أمام القانون، وإلغاء المصادرة و«الإنغارية»؛ وهي الإجبار على العمل بلا أجرة وتعرف بالسخرة، ونحو ذلك مما هو مدرج في هذا الفرمان المعروف بالتنظيمات.
فالدولة العلية إنما أصدرت هذه التنظيمات إرضاء لأوروبا، ولا سيما إنجلترا. والأمة الإسلامية لم تفهم معنى هذه التنظيمات ولا معنى تأمين الناس على الأرواح والأموال والأعراض، كأن الشريعة التي كانت دستور العمل تبيح التجاوز والتعدي على الأرواح والأموال والأعراض، وحاشاها من ذلك، فالبلاء لم يكن سببه فقدان القانون والشريعة حتى يزول بإصدار هذه التنظيمات، وإنما سببه الاستبداد المتسلط على كل قانون وشريعة، فالحرية التي منحتها التنظيمات لم تكن شيئا مذكورا بجانب الحرية التي منحها القرآن، لو زال الاستبداد والجهل المستوليان على أهله المسلمين، واجتهدوا في فهمه وتأويله على مقتضى نواميس المدينة الحاضرة، كما فعل أحرار العلماء، كالشيخ محمد عبده وغيره.
شرعت الدولة العلية في إجراء الأحكام المشار إليها في التنظيمات، وسنت قانونا لأخذ العسكر جرى تطبيقه في بعض الإيالات، وأحدث في بعضها ثورة وعصيانا كعصيان الأرناؤوط (1844) الذي سكنه رشيد باشا نفسه، ثم باشرت في تنظيم المعارف وفتح المدارس في الأستانة، ونظمت محاكم التجارة المختلطة (1846)، كما نظمت بعض دوائر الدولة وأقلامها، فكان مصطفى رشيد باشا - الذي تولى مسند الصدارة العظمى ست مرات، وتوفي سنة 1274ه/1858م - مصدر هذه الإصلاحات، بسبب وقوفه على الأفكار الجديدة، ومعرفته اللغة الفرنسية والأدبيات العثمانية، وهو أول من أفرغ الكتابة التركية في قالب سهل سلس، بعد أن كادت تكون غير مفهومة عند الجميع، لكثرة ما فيها من التعقيد والتشبيهات الغامضة والألفاظ والتراكيب اللغوية من فارسية وعربية، ونشأ في عهده وتحت ظله الشاعر الشهير إبراهيم شناسي أفندي موجد الأدب العثماني الجديد، حصل العلوم العربية واللغة الفرنسية، وذهب إلى باريس فاطلع فيها على آداب الطريقة المدرسية، ونسج على منوال راسين ولافونتين، وأدخل في الأدب التركي التعقل المشروط في الطريقة المدرسية، كما فصلنا ذلك في كتابنا «تاريخ علم الأدب».