تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا تصفحت تواريخ الأمم الإسلامية في الشرق والغرب تراها مؤسسة على هذا الاستبداد الآسيوي، وعلى جانب من الاستعباد الأفريقي، وليس فيها شيء من الحرية الإسلامية، ولا المشورة المأمور بها في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما قال الله لنبيه:

ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (آل عمران، آية: 159)، وقوله تعالى:

وأمرهم شورى بينهم (الشورى، الآية: 38)، وحديث: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وأمثاله كثيرة؛ كحديث حلف الفضول المشهور في التواريخ، وذلك أن قبائل من قريش تداعت إلى حلف الفضول الذي عقدته قديما قبائل العرب، واشتهر باسم رؤسائهم: الفضيل والمفضل، فاجتمعت وجوه قريش في دار عبد الله بن جدعان، ونسبه، فتحالفوا وتعاقدوا: ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وكان ذلك قبل الإسلام، قال النبي

صلى الله عليه وسلم : «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» فأي شيء أشبه بهذا الاجتماع والتعاقد من البرلمان والمبعوثين؟ لا بل من جمعية الاتحاد والترقي؟ ولقد أحسن جدا العلامة المقري في جوابه المذكور في «نفح الطيب» حيث قال:

سألني بعض الفقهاء عن السبب في سوء بخت المسلمين في ملوكهم إذ لم يل أمرهم من يسلك بهم الجادة، ويحملهم على الواضحة، بل من يغتر في مصلحة دنياه، غافلا من عاقبة أخراه، فلا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يراعي عهدا ولا حرمة!

فأجبته: بأن ذلك لأن الملك ليس في شريعتنا، وذلك أنه كان فيمن قبلنا شرعا، قال الله تعالى ممتنا على بني إسرائيل:

وجعلكم ملوكا (المائدة، الآية: 20) ولم يكن ذلك في هذه الأمة، بل جعل لهم خلافة، قال الله تعالى:

وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ، (النور، الآية: 55) وقال تعالى:

وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا (البقرة، الآية: 247)، وقال سليمان:

رب اغفر لي وهب لي ملكا (ص، الآية: 35) فجعلهم الله تعالى ملوكا، ولم يجعل في شرعنا إلا الخلفاء؛ فكان أبو بكر خليفة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وإن لم يستخلفه نصا؛ لكن فهم الناس ذلك فهما، وأجمعوا على تسميته، ثم استخلف أبو بكر عمر، فخرج بها عن سبيل الملك الذي يرثه الولد عن الوالد إلى سبيل الخلافة الذي هو النظر والاختيار، ونص في عهده على ذلك، ثم اتفق أهل الشورى على عثمان، فإخراج عمر لها عن بنيه إلى الشورى دليل على أنها ليست ملكا، ثم تعين علي بعد ذلك إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على الهوى، واصطفى الآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أول من حول الخلافة ملكا، والخشونة لينا، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم، فجعلها ميراثا، فلما خرج بها عن وضعها لم يستقم ملك فيها، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - كان خليفة لا ملكا؛ لأن سليمان - رحمه الله - رغب عن بني أبيه إيثارا لحق المسلمين، ولئلا يتقلدها حيا وميتا، وكان يعلم اجتماع الناس عليه، فلم يسلك طريق الاستقامة بالناس قط إلا خليفة، وأما الملوك فعلى ما ذكرت إلا من قل، وغالب أفعاله غير مرضية ا.ه.

فيظهر لنا من هذا الكلام الفرق بين الخلافة والملك، والسبب الذي جعل ملوك الإفرنج مقدسين وغير مسئولين.

منبع الاستبداد قصر الملك والخلافة

إن منبع استبداد الدول الإسلامية في قديم الزمان وحديثه هو قصر الخلافة، ودار الملك والإمارة؛ حيث تكثر دسائس المقربين، ويشتد حرصهم على الجاه وطمعهم في الأموال وادخارها وفي إنفاذ الكلمة، ولذا ابتعد عنهم أهل التقوى والورع في جميع البلدان والأزمان، فالمقرب منهم لا يكاد يتم له الأمر إلا ويظهر له رقباء يشون به، وينصبون له أشراك المكيدة، ويتهمونه بأنواع التهم، وينسبون إليه كل الخلل في الدولة، حتى يبعدوه عن مركز الدولة، وربما تسببوا في مصادرته وقتله مع أولاده وعياله، كما جرى للبرامكة مع هارون الرشيد، فتاريخ الدول والإمارات الإسلامية كله وقائع برمكية، وقد ينتصر الوزير على الخليفة أو الأمير ويحجر عليه ويصير هو المستبد بالأمر، ونتيجة القضيتين واحدة وهي الاستبداد، وتغلب القوة على الحق، والأمة في جميع هذه الأحوال شاخصة ببصرها لا تطلع على خفايا السياسة وتدبير الملك، ولا دسائس المقربين وحيلهم لإخفائهم جميع ذلك عنها، واستبدادهم بالأمر عليها، ولقد أجاد لسان الدين بن الخطيب - وزير بني الأحمر - في الرسالة التي خاطب بها الوزير بن مرزوق ووصف بها أحوال خدمة الدولة ومصائرهم، وعبر فيها عن ذوق ووجدان، وهي أبلغ ما حرر في هذا الصدد، وقد ذكرها المقري في الجزء الثالث من «نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب»، فالمصلحون لم يتخلصوا من هذه الغوائل ولا وجدوا وقتا لإصلاح داخل الممالك وتحكيم سياستها الخارجية، ولذا انصرفت هممهم لجمع الأموال وادخارها، واغتنام فرصة التقرب ونيل التوجه واكتساب السعادة؛ لأن الواحد لا يدري إلى متى يدوم له التوجه والإقبال، فيسارع إلى الاستفادة من الحال التي أسعده الحظ بنيلها.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٤