تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما حدث الانقلاب في 24 تموز/يوليو، وانفجر في سلانيك وما جاورها من الولايات بركان الاستياء؛ كان هؤلاء الشبان وجميع العثمانيين مساعدين ومعضدين لحزب تركيا الفتاة وجمعية الاتحاد والترقي، ولذلك لم تحصل معارضة ولا مقاومة من أحد؛ لأن الجميع مستاءون حتى المستبدين أنفسهم والمستفيدين من الحال الماضية، والوزراء الذين أودعوا السجن واسترد منهم ما اغتصبوه من الأموال؛ لأن كلا منهم كان يتطلب أكثر مما ناله، ولو لم يحدث الانقلاب بالصورة التي ظهر فيها لحدث بصورة أخرى بعد تبدل السلطة، ولكان إذ ذاك مدهشا دمويا.

انفجار بركان الحرية وحدوث الانقلاب في 24 تموز

تسنى لجمعية «الاتحاد والترقي» العثمانية في سلانيك إخفاء أمرها مدة، ولكن رائحتها فاحت بعد ذلك لكثرة الداخلين وصعوبة الكتم والإخفاء، فأحس بها جواسيس سلانيك وبعثوا بتقاريرهم إلى المابين، فأرسلت الجواسيس من الأستانة، فقررت الجمعية إعدام الذين ثبت لديها تجسسهم وخيانتهم للوطن، وعينت فدائيين من أعضائها بالقرعة أو بالتراضي.

وكان القائممقام ناظم بك قومندان مركز سلانيك يبذل جهوده في كشف أسرار الجمعية، فذهب إذ ذاك إلى الأستانة لعرض معلوماته، ورجع منها نائلا ألفي قرش ضما على راتبه فزاد اجتهاده وتحريه، وطلب ثانية إلى الأستانة، وبينا كان على أهبة السفر، إذ فوجئ بضربة من أحد الضباط، فذهب إلى الأستانة مجروحا، وحضر بعد ذلك إلى سلانيك صادق باشا وماهر باشا وأمير اللواء يوسف باشا وبعض الياورية وعدة من موظفي الملكية، ونظموا دفترا بأسماء كثيرين من المتهمين بعضوية الجمعية، وحبسوا ونفوا وألقوا الرعب في قلوب الناس، حتى كاد اليأس يستولي عليهم، فقام في مناستر صلاح الدين بك قائمقام أركان حرب والبكباشي نيازى بك الأرناؤوطي؛ بتشكيل فرقة من العساكر الوطنية وذهبوا لناخية «رسنة» وهي في الغرب الشمالي من مدينة مناستر على مسافة ثلاثين كيلومترا، ولحق بهما كثيرون من الوطنيين، وأنور بك البكباشي صهر ناظم بك قومندان سلانيك، وكان طلب الأستانة ووعد بمكافأة كبيرة، ولكنه اختار نفع وطنه على منفعته الذاتية، ثم قتل في سلانيك أحد الجواسيس، فقامت حكومة الأستانة قلقا عظيما، وطلبت مفتي آلالاي مصطفى أفندي لتستفهم منه عن هذه الأحوال، وضمت إلى معاشه خمسمائة قرش! وبينا كان خارجا من الفندق للسفر إلى الأستانة جرحه أحد الضباط بحضور جم غفير، وهرب الجارح من دون أن يعارضه أحد من الحاضرين، ولا أخبروا عن أشكاله وصفاته، فندبت حكومة الأستانة للسفر إلى «رسنة» الفريق الأول شمسي باشا قومندان «مترويجه»، فاختار من يعتمد عليهم من الضباط وتابورا من العساكر، وحضر على القطار إلى سلانيك، ومنها إلى مناستر، وذهب توا إلى إدارة التلغراف لمخابرة المابين، فخرج عليه أحد الضباط وقتله، وامتنع من معه من الضباط والعساكر عن الزحف على «رسنة» ومقاتلة إخوانهم، ثم قتل على هذا الوجه كثير من الجواسيس الملكيين والعسكريين، فقرر مجلس الوكلاء إرسال ثلاثين ألفا من عساكر الأناضول، ولما وصل منهم إلى سلانيك الثلاثة توابير الأول امتنعوا عن مقاتلة إخوانهم وانضموا إليهم أيضا، فأحس المابين بأن سوق عسكر الأناضول إلى الروملي إنماء لقوة الجمعية، فأوقف إرسال بقية عساكر الأناضول إلى سلانيك، ثم اجتمع في «فيرزوبك» عشرون ألفا من الأرناؤوط، وذهب سبعمائة من رؤسائهم إلى اسكوب لإعلان القانون الأساسي والحكومة المقيدة.

وفي يوم الخميس 23 تموز/يوليو سنة 1908 خرج الناس في سلانيك صباحا، ووجدوا إعلانات مختومة بختم الجمعية؛ أي جمعية «الاتحاد والترقي» العثمانية، تدعوهم إلى الاجتماع في يوم الجمعة لإعلان القانون الأساسي والحرية، فلم يتمهلوا للغد، بل اجتمعوا في ذلك النهار في ميدان أوليمبوس على الطوار «الرصيف» في مدينة سلانيك، وضج الجمهور قائلا: إما الحرية وإما الموت! وأول من خطب على طنف «بلكون» فندق «أوليمبوس بلاس» غالب أفندي بالتركية، ثم مانويل قره صو باليهودية «الإسبانية»، ثم روصو أفندي بالفرنسية، وسليمان أفندي بالتركية، وفضلي بك نجيب محرر جريدة «عصر» بالتركية، وفيلوطاش بابا جورج بالرومية والتركية، وترجمان المحكمة المخصوصة «فوق العادة» بالبلغارية، وفي ختامهم عادل بك رئيس البلدية بالتركية، ثم هتف الجميع «فليحيا الوطن، فلتحيا الأمة، فلتحيا الجمعية، فليحيا الجيش، الحرية أو الموت»، وأعدوا في تلك الليلة مأدبة ضربت فيها الموسيقى العسكرية على الأنغام المرسيلية:

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٣٢