تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومرادهم بالتشبث الشخصي ألا يكون الأهالي عالة على حكومتهم، بل أن يسلكوا سبل التجارة والصناعة والزراعة في أمر معايشهم، حتى لا يكونوا منتظرين سبب الرزق من حكومتهم والانكباب على طلب الوظائف للتعيش منها؛ لأن السنة في الحكومات المستبدة أن ينتظر الأولاد دائما الإعانة من أسرهم، والأسر من أرباب مجالسهم، وأرباب المجالس من حكومتهم، ولكن الأمم الأنجلوسكسونية بعكس ذلك؛ فإن أولادهم يعتمدون في تحصيل الثروة على أنفسهم ويختارون الصناعة اللائقة بهم، فهذه خلاصة أفكار هذا الحزب السياسي.

نهاية الفساد والخراب في أحوال الدولة

زاد البلاء في السنين الأخيرة، وتعسر تدوير دولاب الحكومة مع إجهاد المأمورين أنفسهم في ذلك؛ فحدث في الأذهان كدر من الأمس وخوف من الغد، واحتراس من كل إنسان، ويأس من كل شيء، ونفرة زائدة، وبغض وحقد كامنان في النفوس، وعلم المقربون أنهم على وشك الانقراض، فضاق عليهم الوقت ولزمهم الاستعجال، فتهالكوا على ادخار الأموال واقتناء العقار، وأودع الدهاة منهم ثروتهم في مصارف أوروبا وأمريكا وتطلبوا أعلى الرتب والمناصب، فنالوها واستفادوا من الحال الحاضرة بقدر ما أمكنهم، ولم يفكر الواحد منهم إلا في نفسه وأولاده، ثم الأقرب فالأقرب من أسرته، واستماتوا في سبيل الوصول إلى السعادة ونفوذ الكلمة بالتقرب، واستحوذوا على مناصب الدولة ورتبها ونياشينها وألقابها، ووجهت رتبة أمراء العسكرية ورتبة «بالا» العلمية على المشايخ ذوي التيجان والعمائم، ومنحوا الراحة من الخدمة العسكرية هم ومن انتسب إليهم من الرفاعية في جميع المملكة، فأصبحوا لا ينتظمون في سلكها، فكانت هذه المنحة من غريب التناقض، وكان إذا نصب الإنعام على فرد أو أسرة انهمل كالغيث المتواصل، وانصب كله في زرع ذاك الفرد أو الأسرة دون أن يفيض منه شيء على المزارع المجاورة، ولهذا قال أحد العقلاء:

أمير المؤمنين فدتك نفسي

ونفس «أبي الضلال» لها فداء

أتحييه وتقتلنا جميعا؟!

لعمرك إن ذا لهو البلاء

فلا والله ما هذا بعدل

ولكن أنت تفعل ما تشاء

واحتكروا أوقاف الجوامع ومزارعها، بل ضبطوها ضبطا بلا حكر، وباعوا امتيازات الأمور النافعة للأجانب؛ فأضروا الدولة بذلك أضرارا جمة، وشرهت نفوسهم للعجب، وتتلعت أعناقهم عظمة وكبرياء، وزاد الحرص والطمع حتى فقدوا جميع المزايا الإنسانية، فصار الواحد منهم كأنه وحش مفترس، ينقلب يوم سقوطه وإبعاده عن منصب الدولة شيطانا رجيما، كما ظهر من أفعال فهيم باشا وهو منفي إلى بروسه الذي أهلكه الأهالي فيها ضربا بعد إعلان الحرية.

كنا أشرنا إلى هذه الحالات المنكرة المكدرة، وإلى قرب حدوث الانقلاب في مقالة عنوانها «حكمة التاريخ»، نشرتها جريدة «طرابلس الشام» في عددها (517) الصادر في 15 تموز/يوليو سنة 1903 بعد أن بدل المراقب فيها وحرف كما أراد، ظنا منه أنها تخفى، وربما خفيت على فطنته ودقت على فهمه، ولكنها عندما بلغت الأستانة واطلع عليها الملدوغون، صدر الأمر بتعطيل الجريدة، فكاد بركان الاستياء تنفجر منه فوهات في عدة جهات؛ لأن بقاء الحال على ما ذكر غير ممكن في القرن العشرين، خصوصا وأن البلاد العثمانية متوسطة بين أوروبا والشرق الأوسط والأقصى، ومما زاد اختلاطنا بالعالم المتمدن تجديد السكك الحديدية وتوارد بواخر الشركات الأجنبية على ثغورنا، ومشاهدتنا صور السينماتوغراف وسماعنا أصوات الفونوغراف، وركوبنا الترام الكهربائي والحوافل والدراجات، كل ذلك كان من دواعي اختلاط الأمم وامتزاجها، وأصبحت المسافة بين الأستانة وباريس أقل من ستين ساعة بعد أن كانت تقطع في شهور وأعوام.

نمت النابتة الجديدة من الشبان المتعلمين في مدارس الدولة الملكية والعسكرية، أو في المدارس الأجنبية التي افتتحها الأوروبيون والأمريكيون في الشرق رغم منع الحكومة المسلمين من دخولها والتضييق عليهم وعلى أوليائهم في ذلك، أو في المدارس الخصوصية التي أسسها طوائف الروم والأرمن واليهود والبلغار، فتعلمت النابتة الجديدة من الشبان والبنات اللغات الأجنبية، وطالعوا الجرائد والكتب، ووقفوا على مواضع الضعف في الدولة، وأدركوا محل الخلل، وصار يتخرج في كل سنة في هذه المدارس عدد عظيم متشبعون بفكر الحرية، ومتخلقون بالأخلاق الأوروبية والحماسة الوطنية، فكانوا كلهم موضع شبهة أولئك الجهال المستبدين بالأمر، فضيقوا عليهم واضطهدوا هؤلاء الشبان اضطهادات كثيرة شتى؛ كالنفي والحبس والمراقبة وتدمير المنازل وتفتيش الأوراق، فكانوا كلهم عرضة لاستبداد المستبدين.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٣١