تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نهضة جمعية الاتحاد والترقي وانتشارها

حدث الاختلاف في فرع جمعية الاتحاد والترقي العثمانية في أوروبا على الرياسة، فانقسم إلى أحزاب، وفارقه الكثيرون من أعضائه، ولكن صاحب جريدة مشورت بقى ثابتا يتوفر على إصدار جريدته في أوقاتها وغيرها من المنشورات، وكان الدكتور نظمي بك السلانيكي الأصل وغيره من ذوي الغيرة الوطنية من خير الأعوان له، وقبل حدوث الانقلاب بأربع سنين كانت جمعية الاتحاد والترقي العثمانية ضعيفة عاجزة في حكم العدم، ولذلك لم يعبأ بها أرباب السياسة ولم يعتدوا بأن لتركيا الفتاة حزبا موجودا، بل كانوا يرون أن هناك بعض المتشردين ينشرون أوراقا قليلة الجدوى لتخويف المابين ونيل الوظائف والإحسان، وكانوا يعدون أحمد رضا بك معاندا مصرا على طلبه لتخليد اسمه بين الفلاسفة الحقيقيين، مفضلا ذلك على حطام هذه الدنيا الفانية.

تداخلت الدول الأوروبية منذ أربع سنين في المسألة المقدونية؛ أي في ولايات لانيك وقوصوه ومناستر، وطلبوا إصلاحها، فزال منها بعض الظلم وتحسنت إدارتها؛ تحقيقا لرغبة أوروبا وخوفا من مداخلتها، وسمحوا لأهالي تلك الولايات بقليل من الحرية، فنفسوا بها عن صدورهم، ونظروا في شئونهم، وكانت البلغار والروم تشكل الجمعيات السرية السياسية المعروفة باسم «كوميته»

comité ، قسموا الداخل فيها «كوميته جي»، بإضافة أداة النسبة التركية إلى كلمة كوميته الإفرنجة للمحافظة على قوميتهم وحقوقهم وأوضاعهم، وكانوا يبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيلها، ويظهرون من الحماسة والغيرة الوطنية ما لا يقدر ولا يوصف، وكانت الحكومة المحلية تهابهم وتلاطفهم وتستميح رضاهم، فعز ذلك على المسلمين من الترك والأرناؤوط سكان تلك الولايات، واعتبروا بإخوانهم في المماليك البلقانية المستقلة استقلالا كليا أو جزئيا - كرومانيا والصرب والجبل الأسود واليونان والبلغار والبوسنة والهرسك - فاستيقظوا من نومهم، وأفاقوا من غفلتهم، وقالوا: إلى متى نبقى في هذا الظلم والاعتساف والجور والاستبداد والذل والتحقير؟

ولا يقيم على ضيم يراد به

إلا الأذلان غير الحي والوتد

ما لنا لا نفعل كالروم والبلغار والرومان

5

والصرب في محبة الوطن والدفاع عنه؟ ولما سألوا مشايخهم عن ذلك أجابوهم بأن الإسلام يساعد ويحض على ذلك، ووجدوا أمامهم تعليمات جمعية «الاتحاد والترقي»، فدخلوا فيها باختيار وشوق وحمية، عارفين بما ينتجه فعلهم من الفوائد المادية والمعنوية، فتشكل لهذه الجمعية مركز في سلانيك وفروع عديدة في جميع جهات الولايات الثلاث المقدونية، ولقد بلغ أعضاء الجمعية في سلانيك وحدها سبعة آلاف شخص، والجواسيس غافلون لا يدرون من أمرهم شيئا، وكان جمهور الأهالي في الولايات الثلاث المذكورة يعتقدون بأنه سيصيب بلادهم ما أصاب كريد وولاية الروملي الشرقية والبوسنة والهرسك ... إلخ؛ ولذلك كانوا في الباطن يتمنون نجاح العملية وإن لم يقدروا على التظاهر بذلك.

الأمير صباح الدين وسياسته

أكب الأمير صباح الدين على تحصيل العلم، ولا سيما بعد وفاة والده فاستنار فكره، وجنح للحرية والأخذ بوسائل المدنية الحديثة، فأسس حزبا سياسيا يعرف بحزب «التقييد واللامركزية مع التشبث الشخصي»، ولسان حال الحزب جريدة «ترقي» التركية، وقد تأسست سنة 1906 ومحررها هو أحمد فضلي بك كاتب الجمعية، فعدم المركزية أو اللامركزية

Décentralisation

يقسم إلى قسمين: عدم مركزية سياسية مثل مستعمرة كندا الأمريكية مع إنجلترا؛ وعدم مركزية إدارية وهو عبارة عن توسيع اختصاص الولايات وتأييد حريتها وانتخاب المجالس العمومية فيها، كما أشير إليه في المادة (108) من القانون الأساسي، وجرى تطبيقه قبلا فتشكل لولايات الشام مع فلسطين مجلس عمومي اجتمع مرة واحدة في بيروت، وكان ذلك في أيام ولاية راشد باشا الذي صار بعد ذلك ناظرا للخارجية وقتل في واقعة جركس حسن بك، فمراد البرنس صباح الدين بك بعدم المركزية هو عدم المركزية الإدارية، كما صرح به لاعدم المركزية السياسية الذي هو عبارة عن استقلال الإدارة مثل حكومة كندا.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٣٠