تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دخلت يوما على السيد جمال الدين الأفغاني، وهو في قصر لطيف، على بابه الخدم، وكانت تأتيه مائدة من «المطبخ العامر» فقال: أية فائدة من هذا القصر والخدم والمائدة، وأنا إذا اشتهيت أكلة بفتك «شواء»، أو نشر فكر في جريدة، أو التنزه في ناحية من المدينة لا أستطيع؟! أيهنأ عيش الإنسان بغير الحرية؟! ولهذا فر إلى باريس الداماد محمود جلال الدين باشا وابناه الأمير صباح الدين بك والأمير لطف الله بك، وفر إلى مصر أحمد جلال الدين باشا رئيس الجواسيس وكثيرون غيرهم.

اتحاد الأرمن والأتراك في طلب الحرية

شكلت جمعية الانقلاب الأرمنية بعد مذابح ساسون المتقدم ذكرها فرقة من الثائرين، هجموا على البنك العثماني في الأستانة، وألقوا فيه القنابل سنة 1896؛ ليلفتوا بذلك نظر الحكومة العثمانية والدول الأوروبية إلى وجوب القيام بالإصلاحات، وإعطاء الحرية وتعميم المساواة بين جميع الأهالي بلا فرق في الدين والجنس، ثم ألفوا لجانا

comités

كثيرة، أهمها لجنة سيروب التي قاومت ست سنوات في جبال ساسون، ثم حولت الجمعية نظرها إلى جهة قافقاسيا «القوقاز» الروسية؛ بسبب اضطهاد أميرها البرنس جاليتزين للأرمن والتابعين لروسيا، وتسليط التتر المسلمين عليهم؛ مما أدى إلى حدوث مذابح باكو وفظائعها وعدة وقائع ومقاتلات، وتصدى الثوار لقتل الرؤساء والقواد والأمراء والضباط الذين سببوا المذابح، وكان قتل كل واحد منهم يكلف الجمعية الأموال والنفوس، فقتل بليف مثلا سبب هلاك أربعة من أعضاء الجمعية، وصرف مائتي ألف فرنك، وكذلك إلقاء القنبلة في موكب صلاة الجمعة أمام سراي يلديز؛ فإنه كلفهم خسائر جسيمة، فعدلت الجمعية الأرمنية بعد ذلك عن هذه الحركات، ومالت إلى الاتفاق مع تركيا الفتاة، فعقدت مؤتمرا في ويانة، حضره جماعة من الترك والأرمن والمقدونيين والروم والكرد والعرب واليهود والأرناؤوط، وكان الشارع في عقد هذا المؤتمر معلوميان أفندي الأرمني الشهير، وقد تم اتفاقهم فيه على المسائل الآتية: (1) قلب الحكومة الحاضرة والسعي في تحقيق ذلك بجميع الوسائل. (2) تأسيس حكومة مقيدة دستورية لجميع رعايا المملكة العثمانية. (3) استعمال جميع الوسائل الانقلابية لتحقيق هذا المقصد. وذلك لأن الحكومة المستبدة استعملت جميع الوسائل لخراب المملكة وإطفاء نور العلم والحرية، فأقفلت المدارس وحبست المعلمين ونفت التلاميذ، وإن الأماكن التي بقي فيها شيء من المدارس، أنقصت التعليم فيها بإيجاد مراقبة لم يسبق لها مثيل، وصارت الجرائد لا تنشر من الأخبار إلا ما يؤذن لها بنشره بعد التحريف والتغيير أو الاختراع من جانب المراقب، وصارت التكاليف المستوفاة بلا عدالة لا تصرف على التعليم أو التبسيط في الحضارة والعمران، بل على الجواسيس والجرائد المؤيدة للظلمة المحبذة لأعمالهم، ولا سيما في البلاد الأجنبية، وذلك لإيهام ومخادعة أوروبا عن أحوال الممالك العثمانية.

فمنع العثمانيين من التجول والسفر، ومنعهم من أخذ تذاكر الجواز

Passe-port ؛ أوجبا تعطيل التجارة، كما أن استيفاء التكاليف الأميرية بطريقة غير عادلة، وفقدان الأمن في البلاد، وتراكم الحاصلات، وكثرة المراباة، وفقدان وسائل الاختلاط؛ كل ذلك كان سببا قويا في خراب الزراعة، فأصبحت البلاد التي كانت مزرعة الدنيا في عهد المدنيات السابقة خرابا، وأراضيها قفرا بلقعا، حتى هاجر منها أهلها الذين ولدوا فيها إلى أمريكا وأوروبا ومستعمرات إفريقيا؛ ليفتشوا لهم عن قليل من الحرية والأمن وأسباب المعيشة، فالمهاجرة والقحط أكملا العمل الذي بدئ بالمذابح، وأنتج الخراب للبلاد وخلوها من السكان؛ فلجميع ما ذكر من الأسباب أصبح الانقلاب السياسي ضروريا لمنع انقراض المملكة العثمانية، ولتوقيف انحطاطها. تلك خلاصة المذكرات والمناقشات التي جرت في المؤتمر.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٢٩