روى لي أحدهم عن بعض النظار أنه أوقف ختم مضبطة امتياز في مد سكة حديدية كبيرة على أخذ أربعين ألف ليرة عثمانية، وأنه لم يقبل أخذ حوالة على المصرف «البنك» أو قوائم نقدية خوفا من ظهور الارتكاب، واشترط أن يكون ذهبا عينا! قال الرواي: فجاءوا بالمال وصفوه على منضدة كبيرة مرخمة عمدا عمدا وكان كل عمود خمسين ليرة؛ فكان ذلك ثمانمائة عمود مصفوفة صفوفا متوازية ملزوزة، وللأصفر الرنان فوق الرخام منظر عجيب! فلما تم العد والحساب قال دولة الناظر - وكان مستلقيا على فراش الموت: «تماممي؟» يريد: هل العدد تام؟ فقيل له: نعم يا سيدي تام. فأخرج الختم من كيسه المعلق في عنقه وختم المضبطة، ثم توفي بعد ثلاثة أيام؛ فكانت آخر ملذاته من نعيم الدنيا! ولذلك كان فريق من الكبراء والموظفين يتمتع بالقناطير المقنطرة من الذهب ويقبض رواتبه سلفا، وويل لعمال الخزانة إن لم يدفعوها؛ وفريق يتضور جوعا وهو ينتظر رواتبه المتراكمة دينا عند الحكومة من سبعة إلى ثمانية شهور في السنة، وهي التي يعول عليها في الإنفاق على نفسه وعياله النفقة الضرورية، وكان ضباط العساكر مظلومين أكثر من سواهم؛ فكانت رواتبهم وتعيناتهم - على قلتها - لا تعطى لهم، وليس تحت أيديهم أموال ينهبونها أو رعية يرتشون منها، ولقد كان ذلك من أعظم أسباب الانقلاب، قال فكتور هوجو: «إن الجوع يثقب في قلب الإنسان ثقبا ويملؤه حقدا.»
سقوط هيبة الحكومة في بلادها وفي الخارج
إن اختلال الإدارة وتذبذبها لم يبق للحكومة قاعدة مطردة ولا أصولا مرعية، لا في سياستها الداخلية ولا الخارجية، وإنما أصبحت ذات قواعد مختلفة وسياسات شتى، بعضها يناقض بعضا، فكانت تمحو في الغد ما أثبتته في الأمس، وربما غيرت سياستها مرتين في اليوم بحسب الأشخاص والوقائع، ولهذا سقط اعتبارها عند الدول الأجنبية، فتجرأن على تهديدها حتى في المسائل الحقيرة، كمسألة توبني دولوراندو، التي أوجبت خروج الأسطول الفرنسي إلى جزيرة مدللي «متللين»، فصرح إذ ذاك مارسل سامبا زعيم الاشتراكيين في مجلس النواب الفرنسي قائلا: «ما هذه السياسة الخرقاء؟ إنكم لم تحركوا ساكنا في المذابح الأرمنية، ولم تتداخلوا فيما توجب معاهدة برلين المداخلة فيه من طلب الإصلاح وإجراء العدالة الإنسانية، والآن تتكبدون النفقات بإحراق فحم الأمة، وإرسال الأسطول لحماية نفرين من المرابين أقرضوا أموالهم على أن يكون ربحهم عشرين وثلاثين في المئة، حتى أصبح ما يطلب لهم عين السحت! وسقط اعتبارها أيضا في نظر رعاياها، وصار أكثر الموجودين منهم في الديار الأجنبية يأنفون أن يكونوا من رعيتها، فكانوا يبتعدون بقدر الإمكان عن سفارات الدولة وقنصلياتها، وبعضهم استبدل التابعية الأجنبية بالتابعية العثمانية.»
كان أرباب الحمية والغيرة الوطنية من العثمانيين ينظرون إلى هذه الأحوال بعيون الأسف والاستياء، ويعتقدون أن مصدرها الوحيد هو الاستبداد، ولا تخلص منه إلا بتعليم الأمة واستنارة ذهنها، والرجوع في الأحكام إلى الدستور المنسوب لمدحت باشا، وإن لم يكن كله من بنات أفكاره، فكان الاستبداد ضاغطا على جميع أفراد الأمة، لم يقتصر بضغطه على ضعفائها وأحرارها وحزب تركيا الفتاة فقط، بل شمل جميع أفراد خاندان آل عثمان وجميع المقربين من رجال الدولة، الذين أفنوا أعمارهم في دور الاستبداد وجمع الأموال، والوزراء والموظفين كافة وجميع الأهالي، ولا سيما في الأستانة، حيث بطلت الأفراح والجمعيات المشروعة لعقد النكاح أو للختان، وحرم على الناس الاجتماع للسمر والحديث؛ كل ذلك خوفا من الانقلاب، وصار لا يؤذن لأحد بالذهاب إلى أوروبا ولو كان مريضا، كما أنه لا يؤذن للضباط بالتوجه إلى الأستانة أو المرور بها، وصار كبار الموظفين لابد لهم من إذن مخصوص وإرادة سنية لحركاتهم الشخصية وأفعالهم البيتية، حتى زواج بناتهم وأولادهم!