اشتبهت الإدارة المستبدة في أمراء العسكرية، الذين تعلموا في أوروبا وخدموا الأمة والوطن، وصارت لهم ملكة ومعرفة تامة بأحوال الزمان، فأبعدتهم عن الأستانة وأشغلتهم بالوظائف الثانوية، بداعي ميلهم إلى الأفكار الحرة وإعادة القانون الأساسي، ولقد بلغ عدد الراجعين منهم إلى الأستانة بعد حدوث الانقلاب ستين شخصا من الباشوات وأمراء العسكرية وخمسمائة ضابط، ومنهم: رجب باشا، وفؤاد باشا الشهير، وناظم باشا؛ وهو صهر عالي باشا. وأصبحت قيادة العساكر وإدارة المدارس العسكرية بأيدي أناس لا كفاءة لهم، وليس لهم إلا التجسس على أصحاب الأفكار النيرة وإبعادهم عن مركز الإدارة، وكانوا يعدون ذلك خدمة لمنافع السلطنة والمحافظة على الخلافة الإسلامية! فأصبح للتجسس والمراقبة دائرة من أعظم دوائر الدولة، لها مراكز وشعب كثيرة ومعاشات وافرة غير الإحسانات والإنعامات! فكان الجواسيس ينظمون التقارير في كل حادثة ومسألة صغيرة كانت أو كبيرة، ويختلقون المسائل ويفترونها ويصورونها في قوالب مستحيلة، ينبذها العقل ويأباها أولو النظر الصحيح والوجدان السليم، وما ذلك إلا لإظهار خدمهم وإثبات تيقظهم ومغالبتهم لنيل المكافأة، والمابين لا يكل من تحقيق مضمون هذه التقارير لعله يجد في مائة كاذبة واحدا صحيحا، فإذا قالوا: «فلان له قصد سيئ بالخليفة»، أو «له مخابرة مع حزب تركيا الفتاة»، أو «عنده أوراق ضارة»؛ كانت كل واحدة من هذه التهم كافية للدمور على منزله وتفتيش أوراقه وهتك حرمته، ثم نفيه أو حبسه أو عزله وإبعاده، فكانت شبههم هذه تدور على حدوث المؤامرة ضد الذات الملوكية والمس بحقوق الخلافة الإسلامية، على أنهم لم يتخذوا في الحقيقة سياسة إسلامية، وهي المعبر عنها عند الإفرنج بقولهم: «بان إسلاميزم
Panislamisme » كما توجد سياسة سلافية «بان سلافيزم
Panslavisme » وسياسة جرامانية «بان جرامانيزم
Pangermanisme ». ولا تجد في دوائر الدولة كلها قلما مخصوصا للمصالح الإسلامية ، كما يوجد في باريس وبرلين وبطرسبرج أقلام ودوائر خاصة بدرس المسائل الإسلامية درسا تاريخيا علميا؛ للوقوف على أفكار المسلمين وهيئتهم الاجتماعية، وعلى أحوال العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها؛ ليكون الوزراء والموظفون على بصيرة ويقين من حقائق هذه المسائل الحيوية الاجتماعية، فقصدهم من السياسة الإسلامية إنما هو أكل الحيات! والتظاهر بالكرامات! والتكبر على الناس، والتشبه ببني العباس.
لم تباشر الحكومة أمرا جديا لعمران البلاد واستخراج ثروتها الطبيعية والسير بها في معارج التمدن والرفاه، وتعليم رعاياها أصول الزراعة والتجارة وعقد الشركات والتعاون على ما فيه نفع البلاد، بل عاكست جميع المشروعات الوطنية؛ فكانت لا تمكن من فتح المدارس الخصوصية أو تعليم الأولاد، ولا سيما المسلمين في المدارس والبلاد الأجنبية، وحظرت تأسيس الجمعيات، وأطفأت حمية أرباب الهمم تذرعا بأنها تؤدي إلى الثورة والانقلاب! فكم نظر الولاة والمتصرفون شزرا إلى مدرسة وطنية أسسها الفرد، أو إلى مدرسة سلطانية أسستها الجماعة، أو إلى شركة صناعية أو مالية عقدها الأهالي، وسرعان ما كانت تتعطل ويمحى أثرها! وكم منعوا الآباء من إرسال أولادهم إلى المدراس الأجنبية أو إلى مدارس أوروبا! وكم اضطهدوهم من أجل ذلك!
ليس ما أجرته الحكومة من مد بعض الخطوط الحديدية، وإصلاح المرافئ التجارية، وتطهير المستنقعات؛ إلا إجابة لطلب الشركات الأوربية، وتوسط بعض المتنفذين للحصول على امتيازاتها، والاستفادة بما يعود عليهم من المنافع الشخصية. فمنح الامتياز كان من قبيل الإنعام والإحسان، لا يكاد يتم لصاحبه ويأخذ به الفرمان السلطاني، حتى يبيعه لشركة أجنبية ويربح منه الملايين، فيوزع نصفها على الذين كانوا عونا له في الحصول على الامتياز، ويبقي النصف الآخر ربحا صافيا له في مقابل أتعابه بالذهاب من المابين إلى نظارة النافعة «الأشغال» والصدراة، وملاحظة الخدم والكتاب والتقرب بهم إلى كبير القلم أو الدائرة، وكل زيارة تحتاج إلى إكرام و«شوفة خاطر»!