تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اختلال المالية وإرهاق الفلاح

اختلت الموازنة المالية اختلالا عظيما، أدى بها إلى حجز نحو نصف رواتب الموظفين والعساكر ومخصصاتهم في كل سنة، واستفحل الظلم في جباية الأموال الأميرية وطرح الأعشار وتحصيل رسوم الأغنام، وتسابق الموظفون إلى المزاودة بأعشار الأقضية والألوية، وعدوا ذلك فضيلة وسببا مشروعا للمكافأة والترقي، والمكلفون من الزراع والفلاحين يئنون تحت أثقال هذه التكاليف والمظالم، ولا ناصر لهم ولا مفكر في شئونهم، وقلما كان يمر على القرية شهر من دون أن يأتيها المعشرون وجباة الأموال الأميرية، ونصيب المعارف ومصرف «بنك» الزراعة، وإدارة الرسوم الستة؛ أي الديون العمومية والإعانات المختلفة. وكان الظلم أشد على المسلمين منه على المسيحيين الذين كانوا يحتمون بأديارهم وبرؤسائهم الروحيين، ولقد سمعت كثيرا من الفلاحين أنهم اضطروا إلى بيع أراضيهم وتزويج بناتهم ليأخذوا صداقهن ويعطوا للجباة ما يطالبونهم به من الأموال الأميرية! فصار الفلاح يتجنب زراعة الأرض إلا بقدر حاجته الضرورية، ومن القواعد التي قررها الفيلسوف الشهير مونتسكيو مؤلف روح القوانين: «إن الأراضي يقل إيرادها بالنسبة إلى حرية سكانها لا بالنسبة إلى خصبها»؛ فإذا كان الفلاح حرا، عمر الأرض الموات، وجعلها خصبة بعمله وحراثته، وإذا فقد الحرية أصبحت أرضه الخصبة مواتا بسبب الظلم والاستبداد؛ وعليه فإن ما نشاهده اليوم في أوروبا من العمران، إنما هو نتيجة الحرية، فحيثما توجهت فيها لا ترى إلا مروجا نضرة وأشجارا وكروما مخضرة، وأنهارا جارية كأنها بستان عظيم ليس فيه قطعة أرض خراب، وصار رجال المابين يحرضون الولاة والمتصرفين على الإسراع بجباية الأموال والبعث بها إلى الأستانة، وكان القائمون بأدائها لا يدرون أين تنفق وكيف تصرف؛ لعدم نشر الموازنة المالية

Budget ، بخلاف إدارة الديون العمومية التي هي تحت مراقبة الأجانب ؛ فإنها في غاية الانتظام والترقي، تزيد وارداتها في كل سنة، فتدفع رواتب موظفيها ومرتبات الديون بأوقاتها المعينة، وقد حدا ذلك الدولة إلى العودة إلى الثقة المالية بها، وأصبح أصحاب الديون في أوروبا آمنين على أموالهم، ولو حدثت قلاقل في المملكة العثمانية فإن قيمة أسهم الديون لا تتنزل إلا قليلا، وإذا أردت المقايسة بين إدارة الديون العمومية وبين نظارة المالية، فانظر إلى قرية من قرى الألمان أو اليهود المستعمرين في سوريا وفلسطين، وما فيها من الانتظام والعمران والترقي، وإلى قرى الأهالي المجاورة لها، وما فيها من الفقر المدقع والخراب؛ يتضح لك الفرق بين الإدارتين.

اختلال الإدارة العسكرية بإدارة الجواسيس لها

اختلت إدارة العساكر البرية والبحرية، وأصبحت العساكر لا تمرن على التعليم الناري وإصابة الهدف، ولا تساق سوق الجيش؛ خوفا من الهيجان وحدوث الانقلاب! مع أن دول أوروبا - ولا سيما ألمانيا وروسيا والنمسا وفرنسا - تقوم جيوشهن في كل سنة بمناورات حربية، يحضرها الإمبراطور نفسه مع أولاده وأسرته وجميع ضباط السفارات الأجنبية، فيستطلعون أحوال الجند ويشوقونهم، وصار الأسطول العثماني، الذي أنفق على شرائه الملايين، كالمقعد الذي يروم النهوض ولا يقدر عليه لطول مكثه، فصدأت آلاته بسبب عدم الاستعمال والجري في البحار، واختلست أموال كثيرة من التجهيزات العسكرية، ولا سيما في تجهيز الأسطول وشراء البواخر والمدرعات، وصار الترقي في المراتب لا يبنى على القدم والاضطلاع والاستحقاق، بل على الالتماس والانتساب والرشوة، فكان الضابط يرتقي إلى المراتب العلى في أوجز مدة، وقد يكون لا يعرف للجندية معنى حتى ولا احترام من فوقه في الرتبة، وكان الضباط يبيعون رواتبهم التي تبقى دينا عند الحكومة للسماسرة بأثمان بخسة، حتى بيعت المئة قرب بأربعة قروش! وبيعت حلة «بدلة» العسكري التي تشتريها الدولة بمئات من القروش بعشرين قرشا؛ أي إن المستحق للراتب والحلة كان يوقع على الورقة المؤذنة بالوصول إليه على القاعدة والأصول، كأنه استلم الحلة من مخزن الألبسة أو قبض الراتب من صندوق الخزانة! ثم يسلمها للسمسار فيعطيه هذا في مقابلها ما يتفقان عليه، ثم يتفق السمسار مع المحاسبة جي «القائم بالحسابات» ومن فوقه ويربحون الفرق، ويقيدون ذلك في الدفاتر «وارد وصادر» كأنها جرت على القاعدة والأصول، وبهذا أصبح الضباط في حالة يرثى لها. وكنت ترى ضباط البحرية، البالغ عددهم نحو ستة آلاف، في قهوات الأستانة خلوا من العمل يتجولون في شوارعها وحاراتها!

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٢٦