3
صادقة، لا تنصرف إلا إلى الأرمن، فبناء على هذا الامتزاج التام بين الترك والأرمن - وما فيه من الفوائد والمنافع للفريقين - طلب بعض أحرار الترك من معتبري الأرمن وعقلائهم إفهام الجمعيات الأرمنية التي في أوروبا هذه المقاصد، واستعمال نفوذهم لتعديل المطالب الأرمنية ونبذ التهور في سياستهم.
وفي سنة 1894 اشتعلت نيران الحادثة الأرمنية وحصلت مذابح ساسون وخربت ثلاثون قرية من قراهم، كل هذا وجواد باشا الصدر الأعظم لاه عن اتخاذ الوسائل لحسم هذه المسائل، والقيام بالإصلاحات في جميع أرجاء المملكة، ولقد كانت سياسته محصورة بالتدابير المؤقتة لإيقاف الاعتداء وسلوك سبيل المماطلة والإرجاء، وأوروبا - ولا سيما إنجلترا - واقفة للدولة بالمرصاد، تخلق لها المسائل والمشكلات واحدة بعد أخرى، فمن الحادثة الأرمنية إلى المشكلة الكريدية إلى المسألة المقدونية وهلم جرا ... ورجال المابين أكثرهم جهلاء أغبياء، لا خبرة لهم بالسياسة، ولا معرفة لهم بالشئون الحاضرة، وآخرون منهم شياطين أبالسة لا يدأبون إلا على جمع الأموال وادخارها، ولو أدى ذلك إلى خراب الوطن وسقوط المملكة، فكانوا يخوفون السلطان من حزب تركيا الفتاة ومن القيام بالإصلاحات، ويشيرون باتخاذ التدابير السيئة حتى حدث ما حدث من المذابح والفظائع التي نسبت إلى الإسلام، والإسلام يبرأ إلى الله منها.
والدين إنصافك الأقوام كلهم
وأي دين لآبي الحق إن وجبا!
والمرء يعييه قود النفس مصحبة
للخير وهو يقود العسكر اللجبا
تأسيس جمعية الاتحاد والترقي
كان من نتيجة هذا الخلل في الإدارة والاستبداد والعسف بالأمة أن تأسست في الأستانة جمعية الاتحاد والترقي لإخماد نار الفتن المشتعلة في البلاد، وطلب الحرية والعدل لجميع العثمانيين، وتأييد روابط الحب والأمان بين الأمة - المؤلفة من السنة وأديان مختلفة - وبين الدولة، وقد بعثت الجمعية في تلك السنة (1894) فريقا من الشبان الأحرار - أكثرهم من طلاب المدرسة الطبية - إلى باريس؛ ليؤسسوا فرعا للجمعية فيها، ويقوموا بنشر الجرائد والرسائل، وكان في باريس إذ ذاك عدد ليس بالقليل من الشبان العثمانيين، بعضهم يدرس على نفقة الحكومة العثمانية أو نفقته الخاصة، وبعضهم يدرس ويشتغل بالمسائل السياسية، وأشهرهم أحمد رضا بك صاحب اللائحة المشهورة.
ترجمة أحمد رضا بك ومبادئ جمعية الاتحاد والترقي
ولد أحمد رضا بك في الأستانة منذ خمسين سنة تقريبا، ووالده إنجلز علي بك، وأمه مجرية، وسمي إنجلز لتعلمه الإنجليزية ووقوفه على المدنية الأوروبية كما مر بيانه، وإلا فهو من الأتراك المسلمين، وكان من معتبري الموظفين الذين نشئوا في عهد مصطفى رشدي باشا وعالي، فتخرج أحمد رضا في مدارس الأستانة وعين مديرا للمدرسة الإعدادية في مدينة بروسة، فأحس في نفسه بلزوم السفر إلى أوروبا للاطلاع على عمومها ومدنيتها؛ فذهب إلى باريس سنة 1890، واختلف إلى مدرسة الزراعة لشدة احتياج المملكة إلى العلوم الزراعية، وتعرف إلى علي شفقتي بك الذي يصدر جريدة «استقبال » في إيطاليا ثم في فرنسا، وهو من رجال السلطان مراد، وكان رضا بك كثير التردد على المكتبة الأهلية في باريس، فاطلع فيها على أهم الكتب والفنون، واشتغل بالمسائل السياسية، وحرر لائحة مفصلة مشتملة على رسائل في إصلاح الإدارة والمالية والزراعة والتجارة وغير ذلك، بعد أن درس لائحة مصطفى فاضل باشا، ووصية فؤاد باشا، وما حرره ملكوم خان وشارل ميزمر وغيرهما من أكابر الرجال المشتغلين بالسياسة الشرقية والواقفين على أسباب الانحطاط وعلله الفلسفية.
سلك أحمد رضا بك في الفلسفة الحقيقية مسلك أوكوست كونت وخليفته بييرلافيت، وصار إماما في هذه الطريقة المؤسسة على «النظام والترقي»، وهذه الكلمة هي شعارهم، وعليها بناء أعمالهم، ومن مبادئهم التفاني في حب الوطن وخدمة الجماعة؛ أي وقف حياة الفرد على خدمة المجموع، وهم ينفرون من الانغماس في الشهوات وتبذير الأغنياء؛ لأن المبذرين إخوان الشياطين، ويشددون النكير على الذين يبتزون الأموال الأميرية ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويعبثون بالحقوق العمومية، فالمرتكب الملوث بالرشوة يعدونه ساقطا مهما بلغ علمه وقدره، فأحمد رضا بك متصف بكل هذه الخلال الجليلة، وقد ضحى نفسه وشبابه في سبيل المحافظة على مبدئه، ورفض قبول الألوف من الدنانير وهزئ بالمناصب التي كانت تعرض عليه، مع شدة حاجته واضطراره، وتحمل الأذى والمكاره، وجاهد في سبيل استرداد الحرية حق الجهاد قائلا: لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في شمالي لما تحولت عما قصدت إليه، فكان في الحقيقة من أولي العزم الصادق، ونشر تعالميه وأفكاره، وله رسالة مطبوعة بالفرنسية عنوانها «التساهل الديني»، رد فيها على الذين يتهمون المسلمين بالتعصب، واستدل بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مما دل على غزارة علمه.