وأما اللائحة التي مر ذكرها في رسالة باللغة التركية مشتملة على تحقيق وعلم وسياسة في إصلاح إدراة الدولة ولما تنشر، وكانت جريدته «مشورت» تصدر بالتركية والفرنسية في كل أسبوع أو أسبوعين مرة، ثم اقتصر على القسم الفرنسي وهي صغيرة الحجم، مضى على إنشائها أربع عشرة سنة، ويتألف منها مجلدان أو أكثر، وربما كان له غير ذلك من المؤلفات ، فإنه كثير الدرس والتحقيق، يقضي الساعات الطويلة في المكتبة الأهلية، وفي مكتبته الخاصة مؤلفات كثيرة في التاريخ والسياسة العثمانية والمسألة الشرقية.
ولما وصل وفد جمعية الاتحاد والترقي إلى باريس سنة 1894 كان رضا بك ساكنا في شارع مونج في بيت صغير
Appartement
في الطبقة السادسة فقصد إليه الوفد وذاكروه في انضمامه إليهم، فتردد في بادئ الأمر، وقال: إذا عزمت على شيء فإنني لا أرجع عنه مطلقا، وكان أقدر الموجودين وأعرفهم بطرق الإصلاح ومواضع الخلل؛ لأن إصلاح مملكة عظيمة مشتملة على أمم مختلفة في الجنس والدين واللسان، ووارثة للخلافة الإسلامية والدولة البيزنطية؛ ليس بالأمر السهل، ولا يشبه إصلاح مدرسة أو إدارة تلاميذ، وإنما يحتاج إلى علوم ومعارف شتى، ونظر، واختبار، ونفاذ بصيرة، وليس ذلك في مقدور من درس سنتين أو أكثر في مدرسة طبية لا تدرس فيها العلوم السياسية والحقوقية ولا العلوم الشرقية التي هي موضوع بحث العلماء المستشرقين، فقبل أحمد رضا بك الانضمام إلى الجمعية، وصار رئيسا لفرع باريس، ونشر جريدة «مشورت» بالتركية والفرنسية ناطقة بمقاصد الجمعية.
معاكسة المابين للأحرار في أوروبا
أم باريس من ذلك الحين كثيرون من شبان العثمانيين وكهولهم، حتى الشيوخ ذوي العمائم والفراء، ونشروا الجرائد والرسائل والوريقات، وأدبوا مآدب وعقدوا اجتماعات سياسية؛ فانصرفت همم رجال المابين والسفارات العثمانية إلى إبطال هذه النشرات واسترضاء أصحابها بالمال والرتب والنياشين والمناصب، حتى قيل لبعضهم: «اطلب تعط.» كما ينقل عن الخلفاء في حكايات ألف ليلة وليلة، وكان العطاء حاتميا بل أكثر، كان سلطانيا شاهانيا! وصار طلاب الوظائف أو المعزولون يقصدون باريس، فيكون ذلك سببا لعودتهم إلى وظائفهم، ودخل في حزب تركيا الفتاة الصبيان الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة، والتونسيون حتى الأجانب من الطليان واليونان، وأصبحت سفارة باريس مرجعا للجميع، كأنها أعظم دائرة من دوائر الباب العالي! وأقدم الجرائد التي أبطلت جريدة «المرصد» العربية التي تعين صاحبها عضوا في شورى الدولة، فحسده عزت باشا العابد حتى صرف قوة عقله وذكائه في سبيل الوصول إلى ما وصل إليه، وظهرت عدة جرائد ورسائل ومحررين بالتركية والعربية والكردية والفرنسية والألبانية وغيرها، منهم أصحاب صدق وقناعة، ومنهم ذوو طمع وشعوذة، ورجال الدولة يتقربون باسترضائهم وإحضارهم، كما كانوا في الأزمان الماضية يتقربون بجلب أهل الظنة من الشيوخ وأصحاب الكرامات، كالمرحومين: الشيخ أبي السعود من القدس الذي استقدموه للسلطان محمود خان، والشيخ السن من صيداء، والشيخ العمري من طرابلس الشام، وكذا المشايخ الذين كانوا في المابين، وخاتمتهم أستاذنا الشيخ حسين الجسر مؤلف «الرسالة الحميدية»، فلو اطلعت على تراجم هؤلاء الشيوخ ومقدار معارفهم وكيفية طلبهم والاسترشاد بهم؛ لعرفت ارتقاء الفكر التدريجي، الذي حدث من عهد السلطان محمود، ولرأيت للانقلاب الحاضر معنى في «الرسالة الحميدية» التي دلت على كثير من العلوم الطبيعية والعصرية.
لم يقصد من نشرات تركيا الفتاة في أوروبا إلا إيصال الشكاية من سوء الإدارة إلى مسامع الحضرة السلطانية، وإفهام الدول الأوروبية الموقعة على معاهدة برلين بأن لحزبهم السياسي كيانا ووجودا، وأن غايتهم إعادة القانون الأساسي، فكادت أوروبا تعتد بوجودهم، كما ظهر من انتصار الجرائد الباريسية لصاحب جريدة «مشورت»، يوم محاكمته في باريس والحكم عليه بفرنك واحد مع تطبيق قانون بيرانجة القاضي بالسماح عنه، وبينا كان المابين يقدم رجلا ويؤخر أخرى في إجابة حزب تركيا الفتاة إلى مطالبهم الإصلاحية، وإعادة القانون الأساسي، وإذا بالمشكلة الكريدية ولدت الحرب بين الدولة العلية واليونان (نيسان/مارس 1897)، وتم النصر فيها للعساكر العثمانية، فأخذته العزة ودام على سياسته الاستبدادية، فقعدت همة الأكثرين من حزب تركيا الفتاة وخضعوا لأحكام الاستبداد جبرا وقهرا، وإن كانوا غير راضين عنها، وذاقوا عذابا شديدا بسبب غلاء أوروبا وكثرة الإنفاق فيها، مع قلة ذات يدهم وفراغهم من نحو صناعة أو تجارة بأيديهم، كما هي حال الأرمن والبلغار، إلا ما كان من علمهم باللغة التركية أو العربية أو معاونة الأطباء في المستشفيات بأجرة قليلة والسهر في الليل على المرضى، والأغنياء من أهل البلاد وكبار الموظفين لم يساعدوهم بشيء، إلا بعض الأمراء المصريين الذين نهجوا نهج مصطفى فاضل باشا مؤسس حزب تركيا الفتاة؛ فإنهم أمدوا بعضهم بالأموال وكانوا عونا لهم، أما الجمعيات الأرمنية والمقدونية الانقلابية، فإن أصحابهم وأغنياء أمتهم أعانوهم بالمال وأيدوهم بكل ما في طوقهم، وقد علمت مما تقدم أن ميزانية الجمعية الأرمنية بلغت مليون فرنك، فأين هذا من جمعية الاتحاد والترقي؟ ألا إن سبب خذلان العثمانيين لجمعياتهم هو موت النعرة الوطنية في نفوسهم، وفقد الحماسة القومية، وكونهم لم يفقهوا معنى الاجتماع والتعاون.