تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجاسوسية في الدولة العلية

ضعفت إدارة الدولة وجعلت تتدهور بسرعة إلى دركات التأخر والانحطاط، بعد أن خطت خطوات محمودة في سبيل التقدم أيام صدارة سعيد باشا، وانقطع أمل الأحرار العثمانيين، وخاب رجاؤهم بعد أن كانوا يؤملون تخليص الدولة والمملكة من المرض الذي منيتا به قديما، فاضطهد هؤلاء الأحرار وأهينوا وعوملوا أسوأ معاملة، حتى ذاقوا أشد العذاب الوجداني والأدبي، وصار أرباب الدناءة والفساد يتقربون إلى المابين بالتملق والوشاية والتجسس على إخوانهم وأعمامهم وآبائهم! ومنهم من تجسس على أمه وأخيه فنفيا من الأستانة، فكانوا - بمفترياتهم - يصورون الرعية الصادقة للسلطان الأعظم كالوحوش الضارية تريد افتراسه ونزع تاجه، ويزينون في عينيه الاستبداد، ويبعدون عنه الخبيرين بأمور الدولة العارفين بطرق الإصلاح، زاعمين أنهم من ذوي الأفكار المتطرفة وحزب تركيا الفتاة، حتى اختل نظام المملكة وبطلت مراعاة الأحكام القانونية، والسير في إدارة الدولة على الأصول والتقاليد المعروفة من القديم، وفسد التعليم في المدارس، وانحرفت إدارة الأمور الداخلية والخارجية عن محورها، ومالت إلى التدلي والانحطاط، رغم الأبهة الظاهرة، والعظمة الكاذبة، ولا سيما في موكب صلاة الجمعة؛ إذ تصطف العساكر في ساحة المسجد الحميدي أمام باب السراي صفوفا مضاعفة بعضها وراء بعض رجالا وفرسانا، وتتسابق مركبات الكبراء والسفراء الأجانب، ثم تشرق المركبة السلطانية من مطلع السراي و«المشيرون وكبار رجال المابين حافون من حول المركبة مشاة خشع الأبصار ترهقهم ذلة من جلال تلك العظمة الإمامية، وهم في غير هذه الساعة أكاسرة الفرس وقياصرة الرومان كبرا وجبروتا، وكلهم في أمواج الملابس الذهبية يسبحون، وعلى صدورهم نياشين الجوهر تخطف الأبصار»، وكان في كل نظارة من نظارات الداخلية والعدلية «الحقانية» والمالية والمشيخة الإسلامية وغيرها؛ رجال معروفون يبيعون الوظائف والرتب بأسعار معلومة، ويقتسمونها هم وكبار الموظفين، فمن اشترى وظيفة بمائة ليرة فأكثر فإنه يجتهد في استغلاله منها أضعاف ما بذله بإرهاق الأهالي وظلمهم أو اختلاس الأموال الأميرية أو بكليهما!

الميل عن إنجلترا إلى ألمانيا والحوادث الأرمنية

انحرفت سياسة المابين عن إنجلترا الملحة في طلب القيام بالإصلاحات وتغيير الإدارة المستبدة الظالمة، واتجهت نحو ألمانيا التي لا ترى بأسا في إدارة الدولة بالقسر الاستبدادي، فجنح بعض ساسة الإنجليز للأرمن ومالوا إليهم، وساعدوا جمعيتهم السرية الموجودة في لوندره، وأشار إليهم بعض رجال السياسة - كجلادستون - بالقيام والهيجان، حتى إذا حدثت في البلاد مذابح كمذابح البلغار، هاجت الأفكار العمومية في أوروبا، وتسنى لحكوماتها المداخلة في طلب الامتيازات لأرمينيا، كما حدث في البلغار والجبل الأسود والصرب، ويساعد على ذلك نص المادة الحادية والستين من معاهدة برلين، فقد جاء فيها ما معناه: «يتعهد الباب العالي بأنه يسرع في القيام بالإصلاحات والتحسينات التي تقتضيها حال البلاد الداخلية في الولايات الآهلة بالأرمن، وبحمايتهم من الجراكسة والأكراد، ويعطي الباب العالي في معظم الأوقات معلومات عن التدابير المتخذة في هذه السبيل للدول المشرفة على القيام بالإصلاحات.»

وفي سنة 1890 تشكلت جمعية انقلابية أرمنية

2

لتحرير الأرمن التابعين للدولة العلية وروسيا والعجم، وكان رأس مالها مائة وثلاثين ألف فرنك، وميزانيتها اليوم مليون فرنك، منها ثلاثون في المائة للقيام بالحركات الانقلابية والسياسية، وخمسة وعشرون في المائة لتسليح الأمة، وعشرون في المائة للنشرات والتبشير، فأحس أحرار العثمانيين بذلك وتأثروا جدا، فاجتعموا سرا وتشاوروا، وخابر بعضهم كبراء الأرمن وعقلاءهم، وقالوا لهم ما حاصله: لا محل لإصلاح ولايات أرمينيا وحدها دون باقي الولايات العثمانية، فالواجب طلب الإصلاح للمملكة العثمانية كلها. نعم، إن الأرمن يتألمون من الإدارة الحاضرة ولكن الظلم والاستبداد ليسا موجهين إليهم خاصة، بل هما شاملان للأرمن والأتراك وعموم المسلمين والمسيحيين، فإنهم جميعهم يئنون تحت أثقال التكاليف وارتكاب الموظفين ومعاملاتهم القسرية والاستبدادية، ويتحملون أنواع الظلم والاعتساف وهضم الحقوق، وحظ المسلمين من ذلك أكبر؛ لقيامهم وحدهم بأعباء الخدمة العسكرية التي تقعدهم عن زرع الأرض واكتساب الثروة والرفاه والنمو والازدياد في العدد، وإن اتفاق الأرمن والأتراك على القيام بطلب الإصلاحات اللازمة وتأسيس حكومة مقيدة حرة يعد من الحمية والغيرة الوطنية، ولكن قيام الأرمن أو طائفة أخرى على انفراد بمساعدة الأجنبي وترغيبه؛ لا تعده تركيا الفتاة إلا خيانة وجناية وضررا بمنافع الوطن المشتركة؛ على أن الأرمن كانوا لدى تجنسهم بالجنسية العثمانية لا يزيدون على بضعة عشر ألفا، وقد أصبحوا اليوم يعدون بالملايين، وإن القاطنين منهم في العاصمة والمدن الكبيرة على جانب عظيم من الغنى والثروة والرفاه، وبيدهم الشئون المالية والوظائف العالية والرتب السامية، وهم على وفاق وائتلاف تام مع الأتراك، حتى إذا أطلقت كلمة «ملت»

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلاب · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة: أصدق تاريخ لأعظم انقلابص ٢٢