تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تكون الصور مرايا لغيرها في الوقت عينه، والمرايا تنقلب إلى صور تبحث عن مراياها في غيرها، ففي الحركة الفلكية الكونية يصبح الزمن مرآةً للكون، يرى فيه نفسه، ويتلمس تاريخ حياته، وتطور خلقه، وتَتَابُعَ نشوئه، ويغدو الكون مرآة لكرتنا الأرضية، ترى فيه صورتها، وتتحسّسُ في غوره جذور وجودها، وبذرة حياتها، ثم تصبح الأرض مرآة للتاريخ، يرى فيها ملاحم حياته، ومُضْطَربَ أيامه، ومُتَقَلّبَ شؤونه، والتاريخ يعود للبشرية مرآة ترى فيه صور نشوئها وارتقائها، وتطور عقلها وفكرها، والبشرية في ذات الوقت تصير مرآة للإنسان يرى فيها نفسه منطويةً في نفسها، ووجوده منطوياً في وجودها، وعقله غائصاً في عقلها، وروحه غائراً في روحها، والإنسان كذلك يظلُّ مرآة لأخيه الإنسان، يرى فيه صورته كما هي في ضعفها وقوتها، وسمُّوها وحِطّتها، وجمالها وقبحها، وبكل ما فيها من نقائض وأضداد، إلاَّ أنّ قلب الإنسان يبقى أعظم مرايا العالم، وأكثرها سعةً، وأشّفَها شفافيةً، وأنقاها صفاءً، وهو أشرف ما في الإنسان، وأقدس ما فيه من قداسات، لذلك صار موضع نظر الله تعالى من الإنسان، ومهبط أنوراه وتجلياته، ومستودَع إلهاماته، وخزين غيوبه، ووعاء وحيه وخطابه..

ـ 3 ـ

وإذا ما فار تنور العشق في بعض المرايا واستعرت نيران محبتها، والتهبت أشواقها، تاهت اختبالاً، وهامت شوقاً، وذابت وَجْداً، وتلاشى الوجود، ولم يبقَ غير المعبود. وطغى الخيال فطال المحال، واختلط الوهم بالصواب، فصارت ترى أن الذي على صفحتها من أنوار المحبوب إنما هو المحبوب ذاته، وأنه قد حلَّ فيها واتحد بها، وتوحد معها، فباتت هي والمحبوب واحداً، فلا ثمة "أنا" ولا ثمة "هو".

رسائل عن النورسية · الصفحة ٩٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٩٢٣