تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غنما، فقال الأستاذ لجيلان أمَا تحتاج لشراء مثل هذه الغنم يا جيلان؟ قال جيلان أجل يا سيدي لكن هذه تحتاج لواحدة تتعهدها وتحلبها وتستفيد منها. قال فضحكنا لقوله ذاك وأدركنا موضع الطرفة فيه. كان الحديث يمضي بنا على غير منوال، وأدركنا محل الأستاذ خليل، كان هناك شباب بثياب العمل، والمحل في موقع جيد، ومعروضاته لطيفة ومن كل ذوق، ورأينا الأستاذ خليل يقدم لنا هديتين لفهما في ورق، وحيانا ابنه في لطف، وتعانقنا مع الأستاذ الذي ظل يتداول الدور في نقلنا طيلة أيام مكوثنا باستنبول، ولن نستطيع أن نفي أحدا حقه من الشكر والامتنان، لكن الله هو المجازي. كان المساء يتدانى ببطء، وكان قائد الرحلة الآن هو الأستاذ قايا، وكنا نسير على ضفاف البوسفور، نخترق مناظر لا تكون إلا وجها من وجوه الجنة، واجتزنا قلعة قيل لنا إنها كانت موقع نزول الفاتحين الأولين، إذ نصبوا معسكرهم عندها وشارفوا منها مدينة القسطنطينية، وزادوا تطويق المدينة من الجهة الخلفية، عزلا لها عن أن تتلقى المدود من أوروبا. وسألنا عن اسم السبيل الذي كانت أشجار السرو والصنوبر تظللنا فيه وتحجب عنا طلعة السماء، قيل لنا هو شارع كواجك، وصدحت موسيقى اللحن الجميل المنبعث من كاسيت السيارة، السلطان الفاتح بنى خيمته في القمة التي أدركناها الآن في صعودنا بالسيارة، والمكان يسمى كواجك، قيل إنه تصغير لاسم الصفصاف. ما زلنا نشق الفردوس، الجسر الآن معلق فوقنا، وخيمة وارفة من الظلال تنتصب من حولنا، أي نفق سحري هذا الذي نجتازه في مثل هذا الوقت الذي تنبض الحياة فيه بالشعر والملاحم المتولهة. أي شيء صنعت بنا يا فارس؟ هذه أرض بكر، هذه عذرية طاهرة، هذه بوتقة من اللهب تصهر الفولاذ. البوسفور يُلَوِّحُ لنا من حين لحين كأنما هو بعْدُ مراهق يتمرس على لعبة العشق. وانتهينا إلى فندق بيكوز، الشمس أسلمت الروح وارتعشت في الأفق وسرى في الكون شحوب، وترقرق البحر بموسيقى كأنها

رسائل عن النورسية · الصفحة ٨٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٨٨٦