ولكن مدير الأمن كان مصراً على موقفه.. يجب أن يترك المدينة، وقرر أن يأتي إلى الفندق ليقابل الأستاذ بنفسه. ويأذن الأستاذ لمدير الأمن بالدخول عليه، حيث يبلغه مدير الأمن بان الأوامر قطعية وان عليه أن يترك المدينة راجعاً إلى إسبارطة.
بديع الزمان قائلاً: إنني الآن في الدقائق الأخيرة من عمري لا أستطيع الرجوع، وقد أموت هنا. إن وظيفتك الآن هي تهيئة الماء لغسلي بعد الوفاة.
يخرج مدير الأمن وأفراد الشرطة من الغرفة متأثرين ومنكسين رؤوسهم.
ويقوم الأهالي والجمعيات والتنظيمات المختلفة بإمطار أنقرة بسيل من البرقيات التي تستنكر بشدة هذا الموقف البعيد عن جميع القيم الإنسانية.
ويتقاطر الناس أفواجاً على الفندق، فالكل يريد أن يرى الأستاذ وأن يلقي عليه النظرة الأخيرة، وبالرغم من انه لم يكن يقبل سابقاً مثل هذه الزيارات - لكون صحته لا تساعد على ذلك - فانه في هذه المرة لم يرد أحداً بل قابل المئات والمئات ودعا لهم واحداً واحداً.
اللحظات الأخيرة:
في المساء ارتفعت درجة حرارته، لم يعد يتكلم بل كانت شفتاه تختلجان بالدعاء. وفي الساعة الثانية والنصف صباحاً يتحسس أحد طلابه حرارته فيجدها قد انخفضت قليلاً، فيغطيه، ويقوم بإشعال الموقد في الغرفة وهو يحمد الله على تحسن صحة الأستاذ.
ولكن الصباح يقترب ولا يقوم الأستاذ لصلاة الصبح.. يكشف أحدهم عن وجهه فيعرف الحقيقة؛ لقد انتقل أستاذه إلى بارئه.
التقويم في الحائط يشير إلى يوم الأربعاء؛ الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 1379 (23 مارت 1960م).
ينتشر الخبر في الفندق فيصعد مدير الفندق إلى غرفة المرحوم ليلتقى مع مدير الأمن الذي كان في طريقه أيضاً إليها يسأله مدير الأمن:
- ما الخبر؟
مدير الفندق:
- لقد توفى.
- هل توفي حقاً؟
- نعم!