نحن نحتاج الآلة ، ونحتاج إلى التقدم التقني ونسعى للحصول عليه، ولكن الغرب هو الذي يحول بيننا وبينه، ويريد أن يصدر إلينا فلسفته ونمطه الثقافي والاجتماعي ، حين نستقبل كل شيء ، "كما يريدون" دون فرز دقيق ، وإذا فعلنا ذلك فإننا نكون قد أدخلنا أنفسنا تحت ضغط التجارب ومجازفات الصراع ، ونكون قد تركنا يقين ما عندنا لندخل في بديل عنه ما زال تحت دائرة الظنون والأوهام والهوى .
﴿ إن يتبعون إلا الظن ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ، فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بمن اهتدى ﴾ (1).
التصدي لطرح العلمانيين في جانب التعليم
على ضوء فكر النورسي
ولقد حذّر النورسي من هذا الخلط ، وخاطب أوربا والمفتونين بها، والمهزومين أمام بريق مدنيتها الخدّاع قائلاً:
"فيا أوروبا ما ورطك في هذا الخطأ المشين إلا ذكاؤك الأعور أي ذكاؤك المنحوس الخارق ، فلقد نسيت بذكائك هذا رب كل شيء وخالقه إذ أسندت آثاره البديعة إلى الأسباب ، والطبيعة الموهومة، وقسمت ملك الخالق الكريم على الطواغيت التي تعبد من دون الله ، فانطلاقاً من هذه الزاوية التي ينظر منها دهاؤك الأعور ، يضطر كل ذي حياة وكل إنسان أن يصارع وحده ما لا يعد من الأعداء ، ويحصل بنفسه على ما لا يجد من الحاجات ، بما يملك من اقتدار كذرة ، واختيار كشعرة، وشعور كلمعة تزول وحياة كشعلة تنطفئ ، وعمر كدقيقة تنقضي ، مع أنه لا يكفي كل ما في يده لواحد من مطالبه فعندما يصاب ، مثلاً ، بمصيبة لا يرجو الدواء لدائه إلا من أسباب صم حتى يكون مصداق الآية الكريمة:
﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ (2)
إن دهاءك المظلم قد قلب نهار البشرية ليلاً ، ذلك الليل البهيم بالجور والمظالم ، ثم تريدين أن تنوري ذلك الظلام المخيف بمصابيح كاذبة مؤقتة..!
(1) النجم 28-30
(2) الرعد 14