تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما يرى النورسي فإن المؤمن الذي يشعر بعجزه إزاء المصائب، وضعفه إزاء البلايا، يلتجئ إلى الله ويتوجه إليه، فيؤدي بهذا عبادة خالصة زكية، لا يدخل فيها الرياء قط، فإذا ما تجمل المصاب بالصبر، وفكر في ثواب ضره عن الله، تحولت كل ساعات عذابه وألمه وكأنها يوم من العبادة. فيغدو عمره القصير مديداً طويلاً، بل تتحول كل دقيقة من دقائق عمره بمثابة يوم من العبادة(1).

وإن دل على هذا شئ إنما يدل على أن النورسي لا يرى من الصبر إلا جانبه الحركي، لا السكوني، لأن الصبر الحركي ومن الزاوية التكليفية خاص بالحكم الشرعي أمراً أو نهياً، إلا أنه عام في كل حركة. وهذا النوع من الصبر لكونه حبساً لقوى المؤمن على العبادة يصدر من المؤمن عن طواعية واختيار ورضا، ولذلك يوصف دوماً بأنه صبر فيه إيثار ومحبة لله تعالى.

وعلى أي حال فإن هذا الصبر يقتضي دوام رضا المؤمن فيما يحكم به الله عليه من أحكام قدرية أو شرعية، وذلك لأن حب المؤمن لله، يحبب إليه حكمه تعالى، فتطيب نفسه بالابتلاء، فهو أمام أمرين: حبه لله ولأحكامه من جهة. وألم المصيبة ووقعها في نفسه من جهة أخرى، فكلما تألمت نفسه للمصيبة قابلتها محبة فأزالت آثارها، فيبطل الألم وتثبت في القلب لذة المحبة وحلاوة المناجاة.

عندئذ يقفز المؤمن بالصبر من دائرة الانتساب، فيرتفع مترقياً إلى أعلى ذروة في الإيمان، ويحتل أسمى منزلة، وهي منزلة المعية الدائمة مع الله، وتلك عين المحبوبية، والتي يظهر من خلالها شرف المؤمن وسر امتيازه على الخلق أجمعين.

هذا عن الصبر، أما الشكر: فإن سعة معناه قد دفعت بالنورسي لأن ينظر إليه نظرة تخالف نظرته للصبر، وذلك لأن الشكر يحتل نقطة مركزية في الوجود تجعل كل شئ يدور حوله ويعود إليه، فيقول:

(1) - المصدر السابق ص 13.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٦٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٦٠٢