ـ ما هو منحة إلهية لتطمين القلب وإفراغ السكينة فيه، وذلك بدفع الغفلة التي تصيب الإنسان وإشعاره بعجزه وفقره الكامنين في جبلته.
أما المصيبة التي تنتاب الإنسان عند المرض، فهي ليست بمصيبة حقيقية، بل هي لطف رباني، لأنها تطهير له من الذنوب، وغسل له من أدران الخطايا(1).
ويقف النورسي وقفة متأنية عند المصيبة التي تكون بكسب من الإنسان كالآثام والذنوب، وما يلج إلى ذهنه من شبهات، فتلك في رأي النورسي تشق جروحاً غائرة في القلب، وتفجر قروحاً دامية في الروح، عندها يحتاج إلى المناجاة الأيوبية الكريمة ( أَنِّي مَسَّنيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(2).
وذلك لأن أيوب –عليه السلام- ظل صابراً ردحاً من الزمن، يكابد ألم المرض العضال، حتى سرت القروح والجروح إلى جسمه كله، ومع ذلك كان صابراً جلداً يرجو ثوابه العظيم من العلي القدير. وحينما أصابت الديدان الناشئة من جروحه قلبه ولسانه اللذين هما محل ذكر الله وموضع معرفته، تضرع إلى ربه بهذه المناجاة الرقيقة: "إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" خشية أن يصيب عبادته خلل، ولم يتضرع إليه طالباً للراحة قط، فاستجاب الله العلي القدير لتلك المناجاة الخالصة استجابة خارقة بما هو فوق المعتاد، وكشف عنه ضره، وأحسن إليه العاقبة التامة، وأسبغ عليه ألطاف رحمته العميمة(3).
وحاجة المبتلى إلى تلك المناجاة أضعاف حاجة أيوب إليها، خاصة وأن الوساوس والشكوك المتولدة من الجروح المعنوية، والشروخ الروحية القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب تصيب باطن القلب الذي هو مستقر الإيمان، فتزعزع الإيمان فيه، وتمس اللسان الذي هو مترجم الإيمان، فتسلبه لذة الذكر، ومتعته الروحية، ولا تزال تنفره من ذكر الله حتى تسكته كلياً(4).
(1) - المصدر السابق ص 16 و 17.
(2) - الأنبياء 83.
(3) - اللمعات – النورسي ص10.
(4) - المصدر السابق ص 11.