وأياً ما كان اختيار الإنسان إيماناً أو كفراً، فهو في كل الأحوال حركة حرة يحدد عن طريقها الجهة التي يستند إليها في وظيفته ودوره، ويرتكز عليها في وجوده.لأن ذلك الاستناد يمنحه حقاً في التحرك، وقوة في الأداء ينجز بها من الأعمال ما هو موكول إليه، فكأن الاستناد هنا شهادة موثقة ومعترف بها تعطيه الحرية في التصرف، وفي الوقت نفسه إعلان بأنه منتسب إلى قوة هي سبب كل ما يصدر عنه من أفعال.
فإذا آمن الإنسان بالله، فإن إيمانه يعطيه وثيقة يستند بها إليه تعالى، فيصبح ذلك الاستناد قوة لا حد لها، وقد مثل النورسي لمن هذا حاله بانتساب أحد ما إلى السلطان بالجندية أو الوظيفة، فإنه يتمكن بانتسابه من أن ينجز من الأمور أضعاف ما يمكن إنجازه بقدرته الشخصية، وذلك باستناده إلى قوة ذلك الانتساب السلطان، فهو يستطيع أن يأسر قائداً كبيراً باسم سلطانه، حيث تحمل إليه خزائن السلطان وقطعان الجيش أجهزة عتاد ما يقوم به من أعمال، فلا يحملها هو وحده. كما أنه ليس مضطراً إلى حملها،كل ذلك بفضل انتسابه إلى السلطان، لذا تظهر منه أعمال خارقة، كأنها أعمال سلطان عظيم، وتبدو له آثار فوق ما تبدو منه عادة، وكأنها آثار جيش كبير رغم أنه فرد (1).
هذا من حيث الاقتدار على العمل، أما في مجال الحركة، فإن النورسي يشبه حال المؤمن بالبدوي، فالبدوي الذي ينتقل في الصحراء عليه أن ينتمي إلى قبيلة ويتقلد اسمها، وذلك كي ينجو من شر الأشقياء، وينجز أشغاله ويتدارك حاجاته، وإلا فسيبقى منفرداً وحيداً أمام كثرة الأعداء، وبانتمائه هذا ما إن يحل في مكان إلا وقوبل بالاحترام والتقدير، وإن لقيه قاطع طريق كان انتسابه مانعاً من الاعتداء عليه، فيتجول بكل اطمئنان وأمان بفضل ذلك الانتساب (2).
(1) - اللمعات – النورسي ص 278.
(2) - الكلمات- النورسي ص 6.