ولا تتوقف خطورة الكفر –كما يؤكد النورسي- عند هذا الحد وحده، بل تتعداه إلى كونه إعلاماً من الإنسان، يكشف فيه عن إهانة وتحقير للكائنات بأسرها، حيث يتهمها بكفره بالعبثية وانتفاء النفع، لأن لهذه الموجودات مقاماً عالياً، وطبيعة ذات مغزى، حيث إنها مكتوبات ربانية، أو موظفات مأمورات إلهية، فالكفر فضلاً عن إسقاطه تلك الموجودات من مرتبة التوظيف والتسخير ومهمة العبودية، فإنه كذلك يرديها إلى العبث والصدفة ولا يرى لها قيمة ووزناً.(1)
إن الكفر –بناء على هذا- ليس مجرد عدم انتساب فحسب، بل هو أيضاً إنكار اختياري لأي صلة بالله تعالى، ورفض صريح لإقامة علاقة خاصة تنهض على دعائم سامية من الانسجام والألفة، ومن ثم يشعر الكافر –وبما أودع الله فيه من معنى وصفة الخلافة والنيابة عنه- أنه أصيل في الوجود، فينطلق في الحياة بانتساب كامل إلى ذاته المجردة، وهنا منبع الفساد.
فلا عجب بعد كل هذا أن عدّسعيد النورسي (2) الكفر إساءة وتخريباً، وجريمة كبرى، وجناية لا حدود لها، وإهانة وتحقيراً للكائنات، لأن الكافر بانقطاع نسبته إلى الله يعلن أن الوجود كله عدم وعبث لا قيمة له، وكذب لا حقيقة فيه، فكأنه بهذا يبدي تحدياً صارخاً لله تعالى، وإنكاراً غير معقول لبديهيات الوجود وثوابته، ويكشف عن استهتار بالغ عن ندِّيه قبيحة لله تعالى، وقيام تام بالنفس، وملكية متوهمة للوجود بأجمعه.
والكافر بهذا يعلن ودون وعي منه بانهيار كل مقومات وجوده، ويتحول إلى مخلوق شاذ في الوجود لا يملك أهلية يترقى بها على غيره من المخلوقات، ومن ثم يدور في إطار كونه مخلوقاً، لله تعالى، وتلك صلة تساويه بمن ليس لديه أصلاً استعداد للتلقي عن الله وللترقي في الوجود على حد السواء.
(1) - المصدر السابق ص 351.
(2) - المصدر السابق ص 351.