تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قيل في معنى الحياة إنه ما تصير به جملة الحركة والإدراك والحس كالشيء الواحد من جواز تعلق الصفات به. (1) وذلك في مقابل الموت والذي لا تصير به الجملة كالشيء الواحد، وعلى هذا فالحياة كمال للحي والموت نقض له ، ومن ثم يصبح كل حيّ كاملاً في حدود حياته التي هو بها حياً. وفي حين تختلف كيفيات الحياة بين حيّ وآخر ، يظل معنى الحياة راسخاً لا يتحول ولا يتبدل ولا يطلق إلا على أكمل أحوال الحي .

والكمال الذي أوجبته الحياة للحيَّ هو في حقيقة أمره كمال إضافي، أو بتعبير آخر كمال حياة بالإضافة. تفريقاً بينه وبين كمال حياة الله والذي هو له بالذات، ومن هنا صح قول من قال إن الحياة بالإضافة هي التي يلحق بها العدم والفناء، أَمَّا الحياة التي هي بالذات فهي الحياة التامة لا يعتريها فناء . ولا يلحق بها عدم .

ولا شك في أن تميز الحيَّ بالحركة والحس والإدراك هو الذي منحه حياة حقيقية تختلف عن غيرها من الحيوات . ولكن المعنى نفسه لما فيه من معنى الشعور والانفعال يستحيل على الله تعالى ، لا لانتفاء الحياة بمدلولها المألوف عنه، بل لأَن حياته تعالى هي حياة على التقدير لا على الحقيقة.(2) وهو المعنى الذي أوجب لله تعالى الإدراك المطلق أبداً وأزلاً ، وهو بالضرورة كمال لذاته. وإذا لم يوجب له، عد ناقصاً ، وعلى ضوء ذلك صح وصفه تعالى بالحياة وسمى باعتبار ذلك حياً .

وصفات الإدراك – كما هو معروف – هي الصفات الثبوتية الواجبة لله تعالى . وأبرزها العلم والإرادة والقدرة والكلام ثم السمع والبصر، وصفة الحياة متقدمة عليها جميعاً لامتناع تصور موجود عالم قادر مريد ولا حياة له. وبالحياة كمل الوجود، واكتملت الحياة بالإدراك.

(1) - الفروق في اللغة – أبو هلال العسكري ص 82.

(2) - المصدر السابق ص 82.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٥٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٥٥٥