تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعتقد النورسي أن سمو الإنسان الحقيقي وصعوده إلى مرتبة أعلى عليين، يتوقف على توجه قلبه وروحه وعقله وكل القوى الممنوحة له إلى الحياة الأبدية، أما انكبابه على لذات الدنيا وانقطاعه إلى ملاهيها، وتسخير تلك القوى للنفس الأمارة بالسوء، فلا يعني سوى سقوطه في هاوية لا مخرج له منها.

وتمثلت تلك الحقيقة للنورسي في واقعة خيالية رواها قائلاً:

" دخلت مدينة عظيمة وجدت فيها قصوراً فخمة ودوراً ضخمة، كانت تقام أمام القصور والدور حفلات ومهرجانات وأفراح تجلب الأنظار كأنها مسارح وملاه، فلها جاذبية وبهرجة.

ثم أمعنت النظر فإذا صاحب قصر واقف أمام الباب وهو يداعب كلبه ويلاعبه، والنساء يرقصن مع الشباب الغرباء، وكانت الفتيات اليافعات ينظمن العاب الأطفال، وبواب القصر قد أتخذ طور المشرف يقود هذا الحشد، فأدركت أن هذا القصر خال من أهله، وأنه قد عطلت فيه الوظائف والواجبات، فهؤلاء السارحون من ذويه السادرون في غيهم قد سقطت أخلاقهم وماتت ضمائرهم، وفرغت عقولهم وقلوبهم فاصبحوا كالبهائم يهيمون على وجوههم ويلعبون أمام القصر.

ثم مشيت قليلاً ففاجأني قصر أخر، رأيت كلباً نائماً أمام بابه، ومعه بواب شهم وقور هادئ، وليس أمام القصر ما يثير الانتباه، فتعجبت من هذا الهدوء والسكينة واستغربت، واستفسرت عن السبب، فدخلت القصر فوجدته عامراً بأهله، فهناك الوظائف المتباينة والواجبات المهمة الدقيقة ينجزها أهل القصر. كلٌ من طابقه المخصص له، في جو من البهاء والهناء والصفاء، بحيث يبعث في الفؤاد الفرحة والبهجة والسعادة.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٤٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٤٥١