تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن غير شك إن من يولى عناية خاصة وتركيز مستمر لكل ما يظهر له ليلاً من تخيلات وتهيؤات ذهنية لا أصل لها، تزيد في نظره وتكبر، أما إذا طرحها جانباً ولم يأبه بها، تلاشت واندثرت وتبددت، وكذلك الحال مع الزنابير، فإذا أقبل عليها تعاظمت شراستها وحدتها في الهجوم عليه. وإذا لم يشغل باله بها أحجمت عن مهاجمته.

والمثل ينطبق تماماً على المصائب الجسمية.

" فالمصائب المادية كذلك، كلما تعاظمها الإنسان واهتم بها وقلق عليها تسربت من الجسد نافذة في القلب واستقرت فيه، وعندها تتنامى مصيبة معنوية في القلب، وتكون ركيزة للمادية منها، فتستمر الأخيرة وتطول، ولكن متى ما أزال الإنسان القلق والوهم من جذوره بالرضا بقضاء اللّه، وبالتوكل على رحمته تضمحل المصيبة المادية تدريجياً وتذهب، كالشجرة التي تموت وتجف أوراقها بانقطاع جذورها".(1)

ومقصوده أن تفخيم المصائب وتكبيرها، لا تقف خطورته على الجسم وحده، بل تمتد لشدة وقعها على الجسم إلى النفس، ومن النفس تنتقل إلى القلب، فتتوطن فيه وتسكن، لتشكل بثباتها ذلك أساساً ومنطلقاً لكل المصائب الجسمية، فتقوى وتزيد ويطول أمدها.

أما إذا فوض أمره للّه، وسلم بحكمه وقضائه فيه عن اعتقاد قلبي جازم، وقناعة عقلية بينة، فإن مصائبه البدنية مهما بلغت من القوة والشدة، فهي في طريقها إلى التلاشي والانحلال شيئاً فشيئاً إلى أن تختفي نهائياً.

اختلاف أهل الحق واتحاد أهل الباطل

من أكثر الأمور مدعاة للحيرة، وأكثرها إثارة للقلق ودافعة إلى الشفقة، اختلاف أهل الحق وعدم اتفاقهم في الكثير مما يجمع بينهم، واتحاد أهل الباطل وتقاربهم على الرغم من الكثير مما يفرق بينهم. ومرجع ذلك كما يفسره النورسي إلى:

(1) اللمعات – النورسي ص 18،17

رسائل عن النورسية · الصفحة ٤٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٤٤١