ولو أدار ذلك الرجل ظهره عن مجد أجداده ولم يعدهم رمز شرفه، وتناسى تاريخه الذي يعتبره مدار فخره، وترك الجادة النورانية، جادة السلف الصالح الذي يعده مستند روحه، وباشر أعمال وتصرفات ملوثة بالهوى والرياء نيلاً للشهرة وارتكاباً للبدع، فإنه يتردى معنى في نظر أهل الحقيقة والإيمان إلى الدرك الأسفل، إذ المؤمن مهما كان جاهلاً ومن عوام الناس، فإن قلبه يشعر وإن لم يدرك عقلُه، فينفر ويستثقل أعمال أمثال هذا الرجل من المعجبين بأنفسهم.
وهكذا يسقط الأناني المفتون بحب الجاه واللاهث وراء الشهرة (الرجل الثاني)، ويتردى إلى أسفل سافلين في نظر جماعة غفيرة غير محدودة، ويكسب موقعاً مشئوماً مؤقتاً لدى عدد من السفهاء السافرين الطائشين، إذ لا يجد حوله غير أصدقاء مزيفين مضرين له في الدنيا، وسبب عذاب في البرزخ وأعداء في الآخرة.
أما الرجل في الصورة الأولى، فإن لم يُزل حب الجاه من قلبه، يكسب نوعاً من مقام معنوي مشروع يشبع إشباعاً تاماً عرق حب الجاه المغروز فيه، ولكن يشترط اتخاذ الإخلاص ورضا اللّه أساساً له، مع عدم اتخاذ حب الجاه هدفاً له".(1)
ومفاد التفسير أن الجامع الكبير هو مجتمع المسلمين المكون من خيار أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم، ومن بينهم من خرج عن الملة واتبع الغرب في عاداته وتقاليده وثقافته، فمنهم كفر بالإسلام وارتد عنه، ومنهم مَنْ تشبه بهم في الظاهر محتفظاً بثقافة الإسلام وعاداته، أما الأجانب الأغيار فهم من تبنى فكر الغرب، ويعمل على إشاعته بين المسلمين.
ومن يعمل من أبناء المسلمين على إعلاء كلمة اللّه ونشر الإسلام والدعوة إليه، مخلصاً إخلاصاً لا تشوبه شائبة من الرياء، فسوف ترتفع منزلته وتسمو مكانته في الأمة، ويحظى برضا خيارها وأفاضلها، فيدعون له بالتوفيق في كل وقت وحين، بينما يظل مجهولاً من المنحرفين من أبناء الأمة، ولا يلتفت إليه الأغيار.
(1) المكتوبات – النورسي ص 535،534