" انصت الرجلان ملياً إلى هذا الكلام الجميل والأمر السلطاني فقال العاقل الرزين منهما:
سمعاً وطاعة لأمر السلطان، رضينا بالبيع بكل فخر وشكر.
أما الآخر المغرور المتفرعن فقد ظن أن مزرعته لا تبيد أبداً، ولا تصيبها تقلبات الدهر، واضطرابات الدنيا: فقال.
لا ومَن السلطان؟ لا أبيع ملكي ولا أفسد نشوتي".(1)
ثم يروي النورسي في الخاتمة ما آلت إليه أحوال كل منهما، قائلاً:
" ودارت الأيام، فاصبح الرجل الأول في مقام يغبطه الناس جميعاً، إذ أضحى يعيش في بحبوحة قصر السلطان، يتنعم بألطافه، ويتقلب على أرائك أفضاله، أما الآخر فقد ابتلى شر بلاء حتى يرثى لحاله الناس كلهم، رغم انهم قالوا: إنَّ يستحقها، إذ هو الذي ورط نفسه في مرارة العذاب جزاء ما ارتكب من خطأ، فلا دامت نشوته ولا دام ملكه". (2)
والمعنى أن من باع طائعاً مختاراً للسلطان ما أودع عنده وأؤتمن عليه، حظي وفي فترة قصيرة بقدر من الأرباح، تمنى معها كل من رآه أو سمع به، لو كان في محله، أما الآخر فقد تعرض لجهله وسوء تقديره لشتى أنواع الخسائر والابتلاءات، أنزلته مجتمعة منزلة الميت، فبكاه من عرف حالته وأبَّنوه كما يُؤَبَّنُ الميت، ولا يذكرونه في مصيبته إلا بالصفات الحميدة والخصائص الطيبة.
تلك هي المعالم البارزة لوقائع المثل، أما تفريغ عناصرها على الواقع فيرويه النورسي بقوله:
" فيا نفسي المغرورة انظري من خلال منظار هذه الحكاية إلى وجه الحقيقة الناصعة، فالسلطان هو سلطان الأبد والأزل، وهو ربك وخالقك، وتلك المزرعة والمكائن والموازين هي ما تملكينه في هذه الحياة الدنيا من جسم وروح وقلب. وما فيها من سمع وبصر وعقل وخيال، أي جميع الحواس الظاهرة والباطنة، وأما الأمر السلطاني المحكم فهو القرآن الكريم، الذي يعلن هذا البيع والتجارة الرابحة في هذه الآية الكريمة:
(1) الكلمات – النورسي ص 22
(2) الكلمات – النورسي ص 22