تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومفاد الرواية أن التكاليف التي آثر الجندي سالك الطريق الأيمن حملها، تبدو في ظاهرها ثقيلة على النفس ومتعبة للجسم، ولكن فيها خلاصه ونجاته وتحرره من مخاوف الطريق ومفاجئاته غير المتوقعة، في حين أن من يرفض تحمل تبعاتها جرد فوراً من صفة الجندية واسم الجندية، ولكنه غدا وحيداً بلا ناصر ولا معين. فانتابته المخاوف، واجتاحته الهموم، ولما وصل المدينة تعرض للعقوبة الشديدة، ليس لمخافته للتكليف، وإنما لمخالفته لمطلق الأمر بالتكليف.

وعلى العكس منه الجندي الذي آثر طائعاً مختاراً تحمل ما أمر بحمله، فقد انطلق مستريحاً في طريقه بصفة الجندية واسم الجندي، غير هياب ولا وجل، لاطمئنانه ويقينه بسلامة اختياره، وبقوة من يتحرك باسمه إلى أن دخل المدينة، فاستحق الثواب كأي مكلّف أدى ما يجب عليه أداءه.

وفسر النورسي المثل فقال مخاطباً نفسه ونفس كل عابد:

" اعلمي أن ذينك المسافرين أحدهما أولئك المستسلمون المطيعون للقانون الإلهي، والآخر هم العصاة المتبعون للأهواء.

وأما ذلك الطريق فهو طريق الحياة الذي يأتي من عالم الأرواح ويمر من القبر مؤدياً إلى عالم الآخرة.

وأما تلك الحقيبة والسلاح فهما العبادة والتقوى، فمهما يكن للعبادة من حمل ثقيل ظاهراً، إلا أن لها في معناها راحة وخفة عظيمتين لا توصفان، ذلك لأن العابد يقول في صلاته (لا إله إلا اللّه)، أي لا خالق ولا رازق إلا هو، النفع والضرر بيده، وأنه حكيم لا يعمل عبثاً، كما أنه رحيم واسع الرحمة والإحسان".(1)

وكما هو واضح من التفسير، فإن الجندي أو المسافر هو المكلّف بتكاليف شرعية فيها عليه كلفة ومشقة، فمن يأتمر بالأمر ويمتثل له، خاضعاً لإرادة المكلّف فهو الطائع المنقاد للّه تعالى، ومن يعاند ويخالف الأمر التكليفي فهو العاصي الذي لا يرجو ثواباً بفعله.

(1) الكلمات – النورسي ص 13

رسائل عن النورسية · الصفحة ٤٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٤٠٤