غير أن الفارق الجوهري بين الطريقين ينحصر في أن من يختار الطريق الأيمن عليه أن ينتسب إلى جهة ما، فيحمل اسمها، ليمنح بذلك الانتساب صفة أخص يعرف بانتمائه إليها. ومن ثم يكلف إلزاماً ووجوباً بتكاليف محددة صعبة وشاقة في حملها.
أما من يختار الطريق الأيسر فهو على العكس من الأول لا ينتمي إلى جهة بعينها، ولا يحمل اسماً أو صفة تميزه عن غيره، فلا يكلّف ولا يلزم بشيء محدد يبذل فيه جانباً كبيراً من جهده وطاقته، ومن ثم لا يعاني عسراً في اليسر ولا تعباً في النفس
ثم انتقل النورسي بعد نصح الرجل وإعلامه للجنديين بطبيعة الطريقين إلى رواية ما حدث لكل واحد منهما، فقال:
" وبعد سماع هذين الجنديين كلام ذلك الرجل الدليل، سلك المحظوظ السعيد الطريق الأيمن، ومضى في دربه حاملاً على ظهره وكتفه رطلاً من الأثقال، إلا أن قلبه وروحه قد تخلصا من آلاف الأرطال من ثقل المنة والخوف.
بينما الرجل الشقي المنكود الذي آثر ترك الجندية ولم يرد الانتظام والالتزام، سلك سبيل الشمال، فمع أن جسمه قد تخلص من ثقل رطل فقد ظل قلبه يرزح تحت آلاف الأرطال من المن والأذى، وانسحقت روحه تحت مخاوف لا يحصرها الحد، فمضى في سبيله مستجدياً كل شخص وجلاً مرتعشاً من كل شيء، خائفاً من كل حادثة، إلى أن بلغ المحل المقصود فلاقى هناك جزاء فراره وعصيانه.
أما المسافر المتوجه نحو الطريق الأيمن – ذلك المحب لنظام الجندية والمحافظ على حقيبته وسلاحه – فقد سار منطلقاً مرتاح القلب مطمئن الوجدان من دون أن يلتفت إلى منة أحد أو يطمع فيها أو يخاف من أحد، إلى أن بلغ المدينة المقصودة وهناك وجد ثوابه اللائق به كأي جندي شريف أنجز مهمته بالحسنى".(1)
(1) الكلمات – النورسي ص 13،12