أما من حيث الجزاء والمكافأة، فإن تدخل عنصر الاختيار البسيط لدى الحيوانات في عبادتها والمتمثل في سعادتها وأفراحها وآلامها وأحزانها هو الذي كفل لها قدراً ضئيلاً ونصيباً محدوداً من التوبة، يشيع الرضا في نفوسها، في حين أن النباتات والجمادات لا اختيار لها على الإطلاق في عبادتها، فهي طوع إرادة اللّه وتحت مشيئته، وبالتالي لا جزاء لها ولا أجرة، وهو الذي جعل أعمالها من حيث دقة الصنعة والأحكام متفوقة ومتقدمة كثيراً على أعمال الحيوانات.
وثانيها: عبادة بالاختيار، وهي لذوي الإرادة والعقل والفهم عن اللّه، أو بمعنى أدق ذوي العلم، كالملائكة والإنس وما في حكمهم. فللملائكة عبادة محدودة، ومكلفون بأفعال بعينها، ولكن طبيعة النور الذي خلقوا منه تجعلهم في مقام قريب من اللّه، مما أدى إلى أن يكون داعيهم للفعل أجلّ من أن يكون من أجل الشهوة. واجلّ من أن يكون بمشقة أو غير مشقة، مما جعل جزاءهم ومثوبتهم مساوقة لأعمالهم ومنطوية داخلها وفضلاً من اللّه.
أما الإنسان فهو المخلوق الوحيد الذي يشبه الكثير من مخلوقات اللّه، فهو يشبه الملائكة في سهولة طاعته للّه، ويشبه الحيوانات في أنانيتها وحبها لنفسها، ويختلف عن الملائكة في سعة اختياره، المبرأة تماماً عن القهر والإجبار إلى غيرها من الحقائق التي بوأته مكانة الخليفة والنائب عن اللّه، وتلك مجتمعة جعلت من عبادته كما لو كانت ضرباً من الشكر.
النيّة
سئل النورسي كيف للمؤمن أن يقابل نعم اللّه عليه بشكره عليها، مع أن الشكر هو أمر توجبه النعم إيجاب مقابلة بين النعم من جهة وإظهارها من جهة أخرى. وهو رغماً عن هذا سيظل في الحدود الدنيا من التعظيم والإجلال للمنعم.
فردّ عليه النورسي رداً مباشراً وسريعاً قائلاً:
بالنية
ثم أتبع رده عليه بالمثل التالي: