تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثلما يضيء نور الإيمان الإنسان ويظهره على حقيقته الربانية، فإنه أيضاً ينير ما يحيط به من مخلوقات وكائنات تشاركه في الوجود وفي الانتساب إلى اللّه تعالى، ولا يقف نور الإيمان في حدود الحاضر بل يتجاوزه ليضيء غياهب الماضي وحجب المستقبل، ولبيان هذا وذاك روى النورسي في حكاية خيالية ما رآه هو بنفسه. فقال:

" لقد رأيت في واقعة خيالية أن هناك طودين شامخين متقابلين نصب على قمتيهما جسر عظيم مدهش، وتحته واد عميق سحيق، وأنا واقف على ذلك الجسر والدنيا يخيم عليها ظلام كثيف من كل جانب، فلا يكاد يرى منها شيء، فنظرت إلى يميني فوجدت مقبرة ضخمة تحت جنح ظلمات لا نهاية لها، أي هكذا تخيلت، ثم نظرت إلى طرفي الأيسر فكأني وجدت أمواج ظلمات عاتية تتدافع فيها الدواهي المذهلة والفواجع العظيمة وكأنها تتأهب للانقضاض. ونظرت إلى أسفل الجسر فتراءت لعيني هوة عميقة لا قرار لها.

كنت لا أملك سوى مصباح يدوي خافت النور، أمام كل هذا الهدير العظيم من الظلمات، فاستخدمته فبدأ لي وضع رهيب، إذ رأيت أسوداً وضواري ووحوشاً وأشباحاً في كل مكان، حتى في نهايات وأطراف الجسر، فتمنيت أن لم أكن أملك هذا المصباح الذي كشف لي كل هذه المخلوقات المخيفة، إذ أنني أينما وجهت نور المصباح شهدت المخاطر المدهشة نفسها، فتحسرت في ذات نفسي وتأوهت قائلاً:

إن هذا المصباح مصيبة وبلاء عليّ.

فاستشاط غيظي، فألقيت المصباح إلى الأرض وتحطم، وكأن بتحطمه قد أصبحت زراً لمصباح كهربائي هائل، فإذا به ينور الكائنات جميعاً فانقشعت تلك الظلمات، وانكشفت وزالت نهائياً، وامتلأ كل مكان وكل جهة بذلك النور وبدت حقيقة كل شيء ناصعة واضحة.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٣٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٣٦٤