إيه يا شمس يامن تربعت على عرش جمال العالم، يالطيفة السماء وزهراءها، يامن أضفيت على الأرض بهجة ونوراً، ومنحت الأزهار ابتسامة وسروراً، فلقد منحت الدفء والنور معاً لبيتي ومشتلي الصغير كما وهبت للعالم أجمع الدفء والنور.
بينما صاحب المرآة السابق لا يستطيع أن يناجي الشمس ويحاورها بهذا الأسلوب، إذ إن أثار ضوء الشمس محدودة بالمرآة وقيودها وهي محصورة بحسب قابلية تلك المرآة واستيعابها للضوء".(1)
فعلاقة الرجل الأول بالشمس وأنوارها علاقة ليست مباشرة، بل عن طريق أداة ووسيط، وما يعود عليه من منافع وفوائد مرهون بمدى قدرة المرآة واستعدادها للتلقي والقبول، مما يعني أن ارتباطه بها أشد وأقوى من ارتباطه بالشمس.
أما الثاني فعلاقته بالشمس مباشرة، ومن ثم يصل إلى مراده ومبتغاه منها رأساً وبدون عون ولا مساعدة من الآخرين، ومرد ذلك إلى أن علاقته بها حية وموصولة لا حاجب بينهما ولا فاصل، فيمكنه مخاطبتها وجهاً لوجه. في حين أن الأول محروم تماماً من تلك العلاقة الحميمة التي يتبادل فيها كل منهما المحبة مع الآخر.
ويتضح من خلال المثلين أن خطاب اللّه تعالى للناس في القرآن هو خطاب موجه بخصوصية شديدة لأي عبد من عباده، فمن يقرأ القرآن يقرأه وكمن يكلمه اللّه، وفي الوقت نفسه هو خطاب عام باسم اللّه وبصفة المكلّف ويتضمن أوامره ونواهيه.
وقراءة القرآن مباشرة دون وسيط فيها من الحيوية والأهمية قدراً لا يتوفر فيمن يسمعه عن غيره، مثله في ذلك مثل من يكلم اللّه مباشرة، ومن يكلمه عن طريق وسيط.
ويرد النورسي هذا وذاك إلى طبيعة القرآن الخارقة للعوائد، فيقول في تفسيره للمثلين:
(1) المكتوبات ، النورسي، ص 147،146