وأما مصطلح القرآن فقد قصد النورسي أن يعرضه في مفهوم وجداني تعبدي بعيد عن حدود المناطقة وعلماء الكلام، ومختلف عن رسوم أهل علوم التفسير والقرآن، القائمة على قصد حفظ النص من الضياع أو الاختلاط بغيره. بل عرضه على أساس غايته ومقاصده الرسالية؛ وذلك بغرض إحياء الوجدان الإنساني باعتباره مخاطَبا إلهيا! فالله هو خالق الكون والإنسان هو خلاصة ذلك الخلق، ومنت حق الخالق على المخلوق أن يرجع عليه بالعبادة والتوحيد والتفريد؛ ولذلك كان من الله جل جلاله هذا الخطاب رسالة منه إلى الإنسان يحمل كل التعريفات المتعلقة بقصة الكون خلقا وتقديرا وتدبيرا، وبما للإنسان فيه من وظيفة كونية كبرى! ومن هنا فقد قدم بديع الزمان لهذا الإنسان (مفهوم القرآن) – كما هو في حقيقته الغائية - أي باعتباره نص الخطاب، ومتن الرسالة!
وبالاستجابة الإنسانية لذلك يتحلى الإنسان بصفة (الانتساب الإيماني) الذي يشعره بقيمته الوجودية ووظيفته التعبدية. وهو مصطلح درسناه بعد ذلك لبيان الفرق بين الكفر والإيمان كما عرضه النورسي رحمه الله. ثم كان تتميم ذلك كله بدراسة مصطلح الأخلاق من حيث هو ثمرة ذلك (الانتساب)، ونتيجة ذلك الاستناد. ذلك أن دخول الإنسان باب المعراج القرآني في سلوكه إلى الله يثمر صافت العبد السالك التي هي الأخلاق؛ ومن هنا قدمها بديع الزمان النورسي على أنها (نظام القرآن الذي يطبع صورة الروح الإنسانية بماهيتها، ويسلك بها مدارج التربية والمجاهدة؛ لاكتساب معناها الكوني) كما بينا تعريفها بمحله(1). وذلك هو خلاصة الشمائل المحمدية التي عرضتها أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق بقولها الجامع المانع؛ لما سئلت عن خلقه- صلى الله عليه وسلم - فقالت: (كان خلقه القرآن!)(2)
(1) انظر مصطلح (الأخلاق) بالفصل السادس.
(2) رواه مسلم.