وفي هذا الصدد سنجد النورسي يعترف أنه ينتمي إلى طبقة العوام وممن ينظرون إلى مبدإ المساواة بعين الحاجة، لا بعين التفضل فقط، ولكن مع ذلك فإنه رأى المجازفة بتطبيق هذا الشعار إخلالا سافرا بقوانين الفاطر سبحانه التي جعلت من ظاهرة تفاوت الحظوظ سنة للتعمير وتكافؤ الفرص في المهام الحياتية..
لقد كان يقدر أن التجربة البلشفية إنما تقوم على ضرب من التعصب الإيديولوجي الطبقي الذي لن يبرح أن تتكشف نتائجه عما يدمي فؤاد الإنسانية "..إنني من حيث النسب ونمط معيشة الحياة من طبقة العوام ومن الراضين بالمساواة في الحقوق فكرا ومشربا، ومن العاملين على رفض سيطرة طبقة الخواص المسمين بالبرجوازيين واستبدادهم منذ السابق، وذلك بمقتضى الرحمة وبموجب العدالة الناشئة من الاسلام . لذا فأنا - بكل ما أوتيت من قوة- بحانب العدالة التامة، وضد الظلم والسيطرة والتحكم والاستبداد. بَيْدَ أن فطرة النوع البشري وحكمة خلقه تخالفان قانون المساواة المطلقة، إذ الفاطر الحكيم سبحانه كما يستحصل من شيء قليل محاصيل كثيرة، ويكتب في صحيفة واحدة كتبا كثيرة .. كذلك ينجز بنوع البشر وظائف ألوف الأنواع، وذلك إظهارا لقدرته الكاملة وحكمته التامة..". (1)
لقد فطر الله الإنسان مطلق القوى والقابليات، فهو بمثابة ألوف الأنواع، وإن كان في حقيقته نوعا واحدا .. من هنا فإن كل حد لطاقاته أو تنميط لأوضاعه ومكاسبه فإنما هو تدخل آثم في قانون الفطرة، وخروج عن المقاصد الإلهية التي يريد الله بمقتضاها أن يجعل الانسان خليفة في الأرض..
(1) م.ن. ص257