الثانية: هي الشريعة الكبرى الفطرية، التي تنظم حركات وسكنات العالم. ذلك الإنسان الأكبر والتي تأتي من صفة الإرادة. وقد يطلق عليها خطأ اسم "الطبيعة" والملائكة أمةُ عظيمة هم حملة الأوامر التكوينية وممثلوها وممتثلوها، تلك الأوامر الآتية من صفة الإرادة والتي تسمَّى بالشريعة الفطرية".(1)
وهذه المعرفة الكونية لا يمكن اكتسابها إلا من خلال إنسان ذكي ألمعي كثير الانتباه والانشداه، مُسْتَوفز الحواس، مرهف النظر خارقه، يرى في العادي غير العادي، وفي المألوف غير المألوف لا يرضى بالهوية دون الماهية، ولا بالصدف دون الجوهر، ولا بالقشر دون اللب، ولا بالظاهر دون الباطن، ولا بالسطوح دون الأعماق، فعلى أكتاف أمثال هذا الإنسان إزدهرت العلوم وقامت الحضارات، وهذا ما كان يريده النورسي من المسلم المعاصر أن يكون عليه. وإذا كانت هذه الصفات المذكورة آنفا هي من أولويات العقل العلمي، فهي كذلك من أولويات العقل الفلسفي، فالباعث في كلا العقلين واحد في الأساس، وهذا هو سر الجمع بين الفلسفة والطب عند كثير من رموز حضارتنا في القرون الوسطى حيث ما من طبيب في ذلك الوقت إلا وله قسط معلوم من الفلسفة، وما من فيلسوف إلا وله نصيب قلَّ أو كثر من الطب، قبل أن تتبلور المعارف ويستقل بعضها عن البعض الآخر ويصير لكل علم من يتفرغ له ولا يتجاوزه إلى غيره.
12 ـ الحضارة الإسلامية
والحضارة الإسلامية بكل ما تحويه من كنوز المعارف والثقافات، وما بَنَتْهُ من صروح، إنَّما هي حصيلة تجسدات روح الأمة وتشكلات خيالها السامي، وتفجرات عقلها المؤمن الحي، وتعشق ذاتها للحق، وشغف وجدانها بالجمال والجلال.
(1) المكتوبات ص 613