إن الشكر مثلما يزيد النعمة، فالشكوى تزيد المصيبة وتسلب الترحم والإشفاق على صاحبها.
لقد ابتلى رجل صالح من مدينة "أرضروم" بمرض خطير وبيل، وذلك في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى، فذهبت إلى عيادته وبثّ لي شكواه:
- "لم أذق طعم النوم منذ مائة يوم..". تألمت لشكواه الأليمة هذه، ولكن تذكرت حينها مباشرة وقلت:
- أخي! إن الأيام المائة الماضية لكونها قد ولّت ومضت فهي الآن بمثابة مائة يوم مسرّة مفرحة لك، فلا تفكر فيها ولا تشكُ منها، بل انظر إليها من زاوية زوالها وذهابها، واشكر ربك عليها. أما الأيام المقبلة فلأنها لم تأت بعد، فتوكل على رحمة ربك الرحمن الرحيم واطمئن إليها. فلا تبك قبل أن تضرب، ولا تخف من غير شيء، ولا تمنح العدم صبغةَ الوجود. اصرف تفكيرك في هذه الساعة بالذات، فإن ما تملكه من قوة الصبر تكفي للثبات لهذه الساعة. ولاتكن مثل ذلك القائد الأحمق الذي شتت قوته في المركز يميناً وشمالاً في الوقت الذي التحقت ميسرة العدو إلى صفوف ميمنة جيشه فأمدتها، وفي الوقت الذي لم تكُ ميمنة العدو متهيأة للحرب بعد.. فما أن علم العدو منه هذا حتى سدد قوة ضئيلة إلى المركز وقضى على جيشه.
فيا أخي! لا تكن كهذا، بل حشّد كل قواك لهذه الساعة فقط، وترقَّب رحمة الله الواسعة، وتأمل في ثواب الاخرة، وتدبّر في تحويل المرض لعمرك الفاني القصير إلى عمر مديد باق، فقدّم الشكر الوافر المسر إلى العلي القدير بدلا من هذه الشكوى المريرة.
انشرح ذلك الشخص المبارك من هذا الكلام وانبسطت أساريره حتى شرع بالقول: الحمد لله. لقد تضاءل ألمي كثيراً.
النكتة الخامسة:
وهي ثلاث مسائل:
المسألة الأولى:
إن المصيبة التي تعدّ مصيبة حقاً والتي هي مضرة فعلاً، هي التي تصيب الدين. فلابد من الالتجاء إلى الله سبحانه والانطراح بين يديه والتضرع إليه دون انقطاع. أما المصائب التي لا تمس الدين فهي في حقيقة الأمر ليست بمصائب، لأن قسماً منها: