وهكذا فيا أيها المسلم! تأمل في سعة التوحيد الخالص الذي يهبه الدعاء للمرء، وانظر مدى ما يظهره الدعاء من حلاوة خالصة لنور الإيمان وصفائه، وافهم منه حكمة قوله تعالى: (قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم) (الفرقان: 77) واستمع إلى قوله تعالى (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) (غافر:60).. وانه لحق ما قيل: (اَكر نه خواهي داد نه دادى خواه) أي لو لم يرد القضاء ما ألهم الدعاء(1).
(سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ مَا عَلّمْتَنَا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيمُ)
اللهم صلّ على سيدنا محمد من الأزل إلى الأبد عدد ما في علم الله وعلى آله وصحبه وسلم . سلّمنا وسلم ديننا آمين والحمد لله رب العالمين.
اللمعة الأولى(2)
إن مناجاة سيدنا يونس بن متى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - هي من أعظم أنواع المناجاة وأروعها، ومن ابلغ الوسائل لاستجابة الدعاء وقبوله .(3)
تتلخص قصته المشهورة بأنه - عليه السلام - قد أُلقي به إلى البحر، فالتقمه الحوت، وغشيته أمواج البحر الهائجة، وأسدل الليل البهيم ستاره المظلم عليه. فداهمته الرهبة والخوف من كل مكان وانقطعت أمامه أسباب الرجاء وانسدت أبواب الأمل.. وإذا بمناجاته الرقيقة وتضرعه الخالص الزكي:
(1) انظر حلية الأولياء لأبي نعيم 3/263
(2) اللمعات ص 6
(3) عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (دعوة ذي النون إذ دعا في بطن الحوت، قال: لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فانه لم يدع بها رجل مسلم في شئ إلاّ استجاب الله له).
حديث صحيح: أخرجه احمد (1/170) والترمذي(3572 ـ تحفة) والحاكم (1/505 و2/283 ) وصححه، ووافقه الذهبي، والحديث عزاه السيوطي في الجامع الصغير للنسائي والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة وحسنه الحافظ في تخريج الأذكار.