وقلب المناجي الذي تتنزلُ عليه ألطاف الله ورحماته، ليس كائناً منعزلاً عن بقية أجزاء النفس. فسموّ العقل، وعلو الفكر، وطهارة البدن، تدين كلها لهذه الألطاف الإلهية التي يُفيْضُ به قلبُ المناجي على بقية أجزاء النفس. وهكذا يكون الإنسان الربَّاني الذي ألمحَ إليه القرآن الكريم، والسنّة النبوية الشريفة، ووصفه أقطاب الإيمان في كل زمان ومكان.
وبالإضافة إلى عمل المناجاة في بناء النفس المؤمنة المطمئنة، فهي كذلك واحدة من عظيم الآيات التي دلَّ بها الله تعالى على وجوده سبحانه، فكما أنَّ ضوء الشمس الذي يغمر الأجواء الطلقة خارج غرفنا لا يتسّلل إلى هذه الغرف لإنارتها ما لم نفتح له النوافذ والأبواب، فكذلك ولا مشاحة في المثال ـ ولله المثل الأعلى والأقدس ـ فإن نور الله تعالى لا ينفذ إلينا ما لم نفتح منافذ الروح والقلب على العوالم الإلهية ما وراء عالم الحسّ والشهادة، ليغمرنا نوره، وليتعزّز إيماننا، ويتحول علمنا اليقين بوجوده إلى حقّ يقينّي يكاد يكون ملموساً نوره بأنامل الروح، ومشاهداً ببصيرة القلب، وهذا هو ما تمنحنا إياه المناجاة من خفايا أسرار الدعاء والتضرع.
وفي المثنوي العربي النوري (1)يقول النورسي: "لله درُّ العِلّة والذلّةِ ما أحلاها وهي مُرَّة إذْ هي التي تذيقك لذة المناجاة والتضرع والدعاء، عن ابن سمعون: كل كلام خلا من الذكر فهو لغو، وكل سكوت خلا عن الفكرة فهو سهو، وكل نظر خلا من العبرة فهو لهو".(2)
وفي الصفحات القادمة يستعرض لنا "النورسي" أنواع الأدعية والمناجاة وكما يأتي:
1ـ دعاء بلسان الاستعداد،
2ـ دعاء بلسان الأسباب،
3ـ دعاء بلسان الفطرة،
4ـ دعاء فعلي
5ـ دعاء قولي.
(1) ص 314
(2) ابن سمعون الزاهد البغدادي(300-387هـ) وهو أبو الحسين محمد بن احمد بن إسماعيل ( أو سمعون) كان يلقب الناطق بالحكمة، مولده ووفاته ببغداد، علت شهرته، حتى قيل " أوعظ من ابن سمعون". انظر إحياء علوم الدين، كتاب التفكر.