تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في أعماق كل بذرةٍ ونواةٍ شجرة.. وبين جذوعنا اليابسة خضرة ماتعة.. وربيعٌ رائق.. ونضرة مشرقة.. فأعِنَّا يا فالق الحبّ والنوى على أن يشرق من أعماقنا ربيع الشجر.. وخضرة الورق.. ونضرة الفَنَنِ.. اسقِنا ـ يا ربَّنا ـ ماء رحمتك.. مُدَّنا بدفءِ عنايتك.. غَذِّنا بلطف رعايتك.. يا مقلّبَ القلوب.. يا ملين القلوب.. أَلِنْ قلبَ الأرض لنا.. وفجّرْ عيون الرحمة في حَجَرها وصَخَرها.. واملأْ كفَّ التراب غذاءً.. واغمره حناناً.. واجعله مفعماً بحبنا والرفق بنا.. حتى نتحول شجراً.. ونثمر ثمراً، ونحقق ما خلقتنا لأجله.. وفطرتنا بسببه.." (1).

ولا يبلغ الدعاء ذروة الإخلاص إلاّ إذا انقلب إلى مناجاة خفية بين العبد وبارئه، وهي أعلى ما يمكن أنْ يرقى إليه الروح، ويسموَ إليه الفؤاد. وصاحب المناجاة لا يبتغي من ورائها أجراً، فأجرُ المناجاةِ، المناجاةُ نفسها، ومردودها يقين المناجي بأنه جليس الله وكليمه، وبأنّ قلبه المسكين الذي ظلَّ يبحث عن مأوى يُؤْوي إليه يجد الآن المأوى والسكن والسكينة بين يدي الله تعالى، وأنه تعالى أقرب إليه من حبل الوريد، يسمع مناجاته، ويشهد سِرَّهُ، ويعلم ما خفي من أغوار نفسه.

وهو بعد ذلك لن يعود من مناجاته صِفْرَ اليدين من عطايا الحق وألطافه، هذه العطايا والألطاف التي تمنحُ وجُوْدَهُ معنىً، وتعطي لحياته قيمةً، وتنقذه من الشعور بالدونية، وأنه ليس أكثر من لُقيةٍ مهملة في بيداء الوجود لا يعيره أحد اهتماماً أو التفاتاً، لكنه اليوم موضع التفات ربِّ الوجود، وموضع نظره وعنايته، فَيُحِسُّ أنَّ شيئاً ما يتحرك بالحياة في مَواتِ ذاته، وأنّ إيمانه العتيق بدأ يتجّدد، ويزيد قوةً وبصيرةً، وأنه يُعَادُ صُنْعُهُ مرةً أخرى على عين الله وفي كنفه ورعايته.

(1) المصدر نفسه ص 19ـ20

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٧٥