ويرى "النورسي" كذلك أنَّ "أنا" إذا ما نَفَذَ ببصيرته عميقاً في كيان نفسه، فأنَّ سِرّ الخلق والإيجاد الإلهيين سيتوضحان أمامه، قياساً على ما عنده من نازع إستشرافيٍّ خَلاَّق يعمل دوماً على خلق دنياه وعالمه الخاص به. وفي معرض حديثه عن عَالَمِ "أنا" الموّار بالأعاجيب يقول "النورسي": "وهكذا..فقد اندرجت في "أنا" آلاف الأحوال والصفات والمشاعر المنطوية على آلاف الأسرار المغلقة التي تستطيع أن تدلُّ وتبين –إلى حدٍّ ما- الصفات الإلهية الحكيمة كلها".(1)
ولا بُدَّ من اختراق طبقات "النفس" وحتى لو كان ذلك عبرَ طوفان من الحقارات والتفاهات المتراكمة لكي نصل إلى العمق النهائي الذي يستقُّر فيه النّازع الإلهي الذي فُطِرَت عليه.
وهذا النَّازع الإلهي الفطري هو الذي جعل "النورسي" ينبش عنه بقلمه طبقات النفس لكي يصل إليه، ويطلعه على السطح ويكون مُعْتَمَدَهُ في فكره الدعوي والتربوي على حدٍّ سواء.
9ـ الدين والعلم..
لقد حذّر "النورسي" الإنسان المسلم من أنَّ سقوطاً مريعاً يمكن أن ينتظره حينما ينساق مع التيار المستغرب، فيرى في قوة العلوم قوةً تفوق قوة الدين. ونبَّهَ إلى أنَّ هذه العلوم لا يمكن أن تكون دائماً هي المرآة المطلوبة لكي يرى المسلم روحه فيها، فيقع في الشَرَكِ نفسه الذي وقع فيه الإنسان الغربي حين ظنَّ أنه قادرٌ على اتخاذ "العلم" ديناً يقوم مقام الدين ذي المصدر الإلهي.
(1) أنظر رسالة "أنا".