تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يظهر فيها عدم إسراف في الفطرة بشهادة الفنون.فإنّ تقاصر ذِهْنُك عن إدراك حِكَم الإنسان الأكبر وهو "العالم" فأمعن النظر في العالم الأصغر وهو "الإنسان". فإنّ فن منافع الأعضاء قد شرح وأثبت أنّ في جسد الإنسان تقريبا ستمائة عظم كلّ لمنفعة.. وستة آلاف عصب هي مجارٍ للدم كلّ لفائدة.. ومائة وأربعة وعشرين ألف مسامة وكوّة للحجيرات التي تعمل في كل منها خمس قوى من الجاذبة والدافعة والممسكة والمصوّرة والمولّدة كل منها لمصلحة.وإذا كان العالَمُ الأصغر كذا فكيف يكون الإنسان الأكبر أنقصَ منه؟ وإذا كان الجسد الذي لا أهمية له بالنسبة إلى لبّه بتلك الدرجة من عدم الإسراف فكيف يُتصور إهمال جوهر الروح؟ وإسرافٌ كل آثاره من المعنويات والآمال والأفكار؟ إذ لولا السعادة الأبدية لتقلّصت كل المعنويات وصارت إسرافاً. فبالله عليك أيمكن في العقل أن يكون لك جوهرة قيمتها الدنيا، فتهتم بصدَفها وغلافها حتى لا تخلي أن يصل الغبار إليه، ثمّ تأخذ الجوهرة فتكسّرها شذراً مذراً وتمحو آثارها؟ كلا ثم كلا!

قيل لك: إنّ شخص الإنسان كنوع غيره، إذ نور الفكر أعطى لآمال البشر وروحه وُسْعة وانبساطاً بدرجة وسِعَت الأزمنة الثلاثة، لو ابتلع الماضي والمستقبل مع الحال لم تمتلئ آماله، لأنّ نور الفكر صيّر ماهيته علوية، وقيمته عمومية، ونظره كلياً، وكماله غير محصور، ولذته دائمية، وألمه مستمراً.أمّا فرد النوع الآخر فماهيته جزئية، وقيمته شخصية، ونظره محدود، وكماله محصور، ولذته آنية، وألمه دفعيّ، فوجود نوع قيامة في الأنواع، كيف لا يشير بالقيامة الشخصية العمومية للإنسان؟

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٢٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٢٠١