إنني أعلن بملابسي المخالفة للناس: إستغنائي عن المقاصد الدنيوية واعتذاري عن عدم مراعاتي للعادات الجارية في البلاد، ومخالفة أحوالي وأطواري عن الناس.. وفطرية إنسانيتي، بموافقة الظاهر والباطن .. ومحبة ملتي. (سيرة ذاتية 71)
ملامح متجهمة، نظرة ثاقبة، أنف أقنى نسري، شاربان مشذبان لكنهما يغطيان مساحة من غير فضول، يأخذان مكانتهما تحت الأنف دون أن يؤشرا لشأن. الشاربان - عادة، لا سيما في الزمن الماضي، و لدى أهل المشرق خاصة - هما فهرست سيرة الإنسان. يُستقرأ منهما ماضي حياته وحاضره - المكانة والمستوى والمشرب - لكن الشارب عند النورسي يحتل حيزا رجوليا في سيمياء الوجه دونما فائض .
المحجران ليسا خابيين - رغم تقدم العمر الذي تعكسه السمة العامة للجسم - بل إن ألَقهما يواري انقداحا باطنيا كتيما. العين سماء يسودها صحو، إنه صحو السكينة، ويظلها حاجب كث عرا طرفه بياض عمق من بروزه، كثافة شعر الحاجب في التراث من علامات الرئاسة والشأن .
الخدان يتابعان انطواءهما بفعل الزمن، كالثمرة حين يأذنها الموسم وهي في العرف (اللاوية). إنهما يحملان رسم تثنٍّ يتناسب مع العمر، وينم عن ارتياض متوازن لا يدل عن تقشف أو ضناكة في العيش، وذلك ملمح ملموس على بركة جلية كان يحدثنا عنها النورسي .
ظاهر اليدين يفيض على حجم يكشف عن تمرس بالعمل، فهما ليسا يدي مثقف يحترف مسك القلم وليس شيئا آخر. والصلابة التي تبديها عظام الوجه تتعمق أكثر في حجم اليدين المبريتين .النظرة شقِّية (شق)، العينان ترسلان سهما بعيدا، وتنفذان في المدى، الموقف يبرز حالا من الانغمار الباطني الذي يستغرقه . الوقفة في ظل شجرة - الشجرة بذاتها باهتة - عنوان الوحدة والعزلة والانقطاع . إنها خلوة الروح في صومعة الشيخوخة.