ويُلمح في إجابته على هذا السؤال حرصه العظيم على وحدة أهل الحق، ودعوته الحارة إليهم؛ أن يتمسكوا بكتابهم، ويوحدوا صفهم، ويتركوا هوى نفوسهم، وأجدني مضطراً هنا لنقل كلامه بطوله لئلا يؤدي تصرفي فيه إلى الإخلال به، والإنقاص من جميل عبارته، قال:
"إن اختلاف أهل الهداية وعدم اتفاقهم ليس نابعاً من ضعفهم، كما أن الاتفاق الصارم بين أهل الضلالة ليس نابعاً من قوتهم، بل إن عدم اتفاق أهل الهداية ناجم عن عدم شعورهم بالحاجة إلى القوة، لما يمدهم به إيمانهم الكامل من مرتكز قوي، وإن اتفاق أهل الغفلة والضلالة ناجم عن الضعف والعجز، حيث لا يجدون في وجدانهم مرتكزاً يستندون إلى قوته، فلفرط احتياج الضعفاء إلى الاتفاق تجدهم يتفقون اتفاقاً قوياً، ولضعف شعور الأقوياء بالحاجة إلى الاتفاق يكون اتفاقهم ضعيفاً، مثلهم في هذا كمثل الأسود والثعالب التي لا تشعر بالحاجة إلى الاتفاق فتراها تعيش فرادى، بينما الوعل والماعز الوحشي تعيش قطعاناً خوفاً من الذئاب أي أن جمعية الضعفاء والشخص المعنوي الممثل لهم قوي، كما أن جمعية الأقوياء والشخص المعنوي الممثل لهم ضعيف(1)، وهناك إشارة لطيفة إلى هذا السر في نكتة قرآنية ظريفة، وهي أنه أسند الفعل قال بصيغة المذكر إلى جماعة الإناث مع كونها مؤنثة مضاعفة، وذلك في قوله تعالى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) بينما جاء الفعل قالت بصيغة المؤنث في قوله تعالى: (قَالَتِ الأعْرَابُ) وهم جماعة من الذكور، مما تشير إشارة لطيفة إلى أن جماعة النساء الضعيفات اللطيفات تتخاشن وتتقوى وتكسب نوعاً من الرجولة، فاقتضت
(1) إن ما يؤيد دعوانا هذه هو أن أقوى المنظمات الأوروبية وأكثرها تأثيراً في المجتمع وأشدها –من ناحية- هي منظمات النساء – وهن الجنس اللطيف- في امريكا التي تطلب بحقوق المرآة وحريتها، وكذلك منظمات الأرمن الذين هم أقلية وضعفاء بين الأمم فتراهم يبدون تضحية وبسالة فائقة. المؤلف (النورسي).