وإذا كانت مداومة الذكر والمواظبة على التأمل وانتهاج الطريقة السلوكية تضمن لبعض الأرواح سكينتها، وتبعد عنها عناء الحيرة والخوف من المجهول، فإن غاية الطريقة وهدفها - كما يرى النورسي - هو اكتساب المعرفة النورانية التي يطبق بها أهل الله على الظلمة وتبددها ..
إذ السلوك عند النورسي ليس مجرد حال تتقمصها النفس وتتغيب بها عن الواقع الحسي الغليظ الذي يكتنفها، بل السلوك هو ترقِّ قلبي ووجداني، وتجربة روحية مضمارها الورع النفسي والجلاء الذهني، ومناطها الحيوية العقلية المتمرسة بمقررات الشرع، والملابسة لروحه ومقاصده ..
فالسلوك من هنا - كما يرى النورسي - بات معرفة تتعمق بالحقائق الإيمانية والقرآنية، وسبيلا تٌنال به الكمالات الروحانية، ومرقى تتعالى فيه الروح إلى العلياء " في ظل المعراج الأحمدي، وتحت رايته، بخطوات القلب، وصولا إلى حالة وجدانية وذوقية بما يشبه الشهود، من هنا كانت الطريقة وسلوك نهج التصوف، سرا إنسانيا رفيعا، وكمالا بشريا ساميا ". (1)
الطريقة والولاية والشريعة والبرهان
يرى النورسي أن الطريقة تترابط بالشريعة من حيث إن الأولى (الطريقة) لا تجد سندها وارتكازها إلا إذا استوعبتها الثانية ( الشريعة). إذ لا يتحقق كشف ولا حظوة لمن يروم لقاء الله من غير سبيل الشريعة وتقمص روح الفرائض ..
فما قررته الشريعة من حقائق الأحكام، ينبغي أن يجد تطبيقه وتمثله في سلوك العبد وفي انصياعه القلبي والعملي لله..
من هنا كانت الطريقة اِحدى خزانات العقيدة الاسلامية، التي يستمد الروحانيون منها طاقتهم الباطنية ومددهم المعنوي.. والتي بفضلها تلتحم الروابط بين الأفراد والجماعات، لتنعكس - من ثمة - آثار ذلك التلاحم على الحياة الاجتماعية والمدنية، وتتجسد في صور ومظاهر بناءة تعود بالجدوى على الفرد بفضل انخراطه في السلوك، وانتسابه إلى زمرة الصلاح : رواد الحضرة..
(1) المكتوبات ص . 571