فلطف الجمال مما يحول بين "الأنا" في دواخلنا وبين الكبر والعجب والطغيان، وهيبة الجلال تُنْهِضُ "الأنا" من وهاد الضعف والسقوط والذلة والقنوط.. الجمال يغرينا بسمو الفكر، وشرف العدل، وحب الحق، وعشق الفضيلة، وأداء الأمانة، والشغف بالواجب. بينما يفجر الجلال فينا ينبوعاً دَفَّاقاً من القوة، ويهبنا البسالة والشجاعة ويمنحنا الحمية والأنفة والاستعلاء على الجبن والخوف.
وما زال "الأنا" في الإنسان المعاصر، هو المعضلة الكبرى المستعصية على الحل، وهو ما فتئ في طغيانه أو انسحاقه يشكل سوساً ينخر في إنسانية الإنسان، وقد أعيا علاجه الفلاسفة والحكماء، وحار فيه الاخلاقيون والتربويون. لأن الدواء الذي يقدمونه له هو من صنع "الأنا" المريض نفسه، فيأتي معلولاً لا جدوى منه.
أما الدواء الذي تقدمه "رسائل النور" فهو مزيج من الجمال والجلال الإلهيين، وهو موزون بميزان مَنْ رفع السماء ووضع الميزان، وخلق "الأنا" في الإنسان، وجعله مناطاً للتكليف والسؤال، وهو دواء علته، وبلسم مرضه، الذي يفي بحاجته، ويحفظ له دوام الاستقامة والاعتدال، وباعتداله تعتدل الدنيا، أما إذا فرّط أو أفرط فعلى الدنيا العفاء، لأن "الأنا" في الإنسان منبع كل خير في العالم إذا اعتدل واستقام، ومنبع كل شر في الدنيا إذا جنح وانحرف. وإذا كان ما من جميل إلاّ ويمازج جماله مهابة الجلال، ووقار العظمة والكبرياء، وما من جليل إلاّ وله من الجمال نصيب، فكذلك فان كل ذي حياة - ولا سيما الإنسان - تشع من حياته معاني الأسماء الإلهية الحسنى، وصفاتها الجميلة والجليلة ، كما يرى النورسي.