ولأن "رسائل النور" هي فلذة من كبد الكون، وقطعة من فؤاده، ترى بعينه وتسمع بسمعه، وتعقل بعقله لذا فلا غرابة إذا ما رأينا الجمال والجلال يسريان جنباً إلى جنب في كلماتها وسطورها، فبينا تكون مغموراً بفيض من جمال المعاني الإيمانية التي يتفجر عنها وجدان النورسي، حتى لتخال أنك بإزاء أديب كبير ذي روح شاعري، إذا به ينقلك فجأة وربما عبرَ سطر واحد إلى عالم الجلال الإلهي الذي يروعنا ويجعل قلوبنا تبادر إلى السجود خاشعة على أعتابه.. وهكذا مهما قلبت من صفحات هذه الرسائل طالعتك فيها رقة في شدة، ورأفة في قوة، ورحمة في عز، وتواضع في شموخ، ولطف في متانة، وعقل في قلب، وقلب في عقل.. وإنك لتحسُّ بقلب "النورسي" الكبير وهو يترنم شجىً ووجداً، وترى دموعه تفيض حزناً ولوعةً على الإنسانية المعذبة بعذاب البعد عن الله، إنه ليستقطر دموع النوع البشري على النوع البشري نفسه الذي سيواجه عذاب العدم في آخرة الوجود والبقاء، ما لم يتب ويعد إلى الله تعالى. إنه أخو البشر، وشقيق الإنسان، تُبْكيه مأساتُه، أياً كان وفي أي مكان من هذه الأرض.
وهو حين يُذَكِّرُ الإنسان الجحود بمآله المفجع في الآخرة، لا ينسى - في الوقت نفسه - أساس مهمته، ألا وهي تحبيب الله إلى خلقه، قبل تخويفهم منه، اي الجمال ثمّ الجلال.
فالجمال والجلال هما القاعدة الحضارية التي تنطلق منها "رسائل النور" لبناء المسلم الجديد المؤهل للقبول في صف نبلاء الفكر مِمَّنْ تُوْدَعُ بين أيديهم أمانةُ إرساء أسس الحضارة الإسلامية الآتية.